العلمانية
التعايش بين العقائد يبدأ بوقف الفتاوى الموسمية التحريضية

أحمد حافظ

الخميس 7 كانون الثاني 2021

تكريس ثقافة التسامح مرتبط باختفاء خطابات الاستقطاب الديني داخل المجتمعات.
 
 
تستثمر العديد من المؤسسات الدينية المناسبات لممارسة دور الوصي الاجتماعي والشرعي الذي يبيح ويحرم ما يشاء، ويرسم إطارا محددا لتعاملات البشر مع بعضهم بعضا، لجعلهم أسرى لتوجهاته وأفكاره بغض النظر عن سلامتها.
 
يندر في بعض المجتمعات العربية التي تحتضن أكثر من عقيدة وتجاوزت مراحل التشدد الفكري، ظهور فتاوى موسمية تتحدث عن إباحة التهنئة لأصحاب الديانات الأخرى، وغالبا ما يتم ترك الأمر للمجتمع ليتعايش أفراده مع بعضهم البعض وفق طبيعتهم ومعتقداتهم، ودون انتظار رأي ديني يشرعن كل تصرف أو تحرك ويضفي عليه مباركة.
 
وتمر المناسبات الدينية في هذه الدول بشكل هادئ وسلس ومبهج ولا تنغصها الفتاوى المؤيدة أو المعارضة لتهنئة أصحاب العقائد المختلفة، ويتعامل الناس بالفطرة، باعتبار أن حياة الأفراد لا يجب أن تكون أسيرة لرأي هذه المؤسسة أو تلك، حتى ينتظروا منها أن تحدد لهم كيف يتعايشون معا.
 
يبدو الأمر مختلفا إلى حد بعيد في المجتمعات التي ينشط فيها دعاة وأئمة وشيوخ اعتادوا توظيف المناسبات الدينية لبث سمومهم، ونشر القطيعة بين الناس، والطعن في تديّن شخص يصر على تهنئة أصحاب العقائد الأخرى، وتحريم أيّ تقارب إنساني واجتماعي بينهم، على أساس أن ذلك يخالف تعاليم الإسلام.
 
إذا خفتت أصوات المتطرفين المعروفين بكراهيتهم للتعايش بين أصحاب الديانات، ولم تصدر أيّ فتوى تحرم التهنئة، تبادر مؤسسات من تلقاء نفسها بإصدار فتاوى تبيح المعايدة بين المسلمين والمسيحيين مثلا، وتصف المعترضين على ذلك بأنهم دعاة فرقة وعنصرية وتمييز، ولا يجب الاستماع لهم.
 
علامات استفهام
 
استقبلت مؤسستا الأزهر ودار الإفتاء المصرية أعياد الميلاد بإصدار سلسلة من الفتاوى في توقيتات مختلفة، للتأكيد على أنّ تهنئة الأقباط جائزة شرعا، ولم تخرج هذا العام فتاوى تحرم هذا التصرف من قبل السلفيين، كما اعتادوا، ما جعل البعض يتساءل، لماذا صدرت فتاوى الإباحة طالما خفتت أصوات التحريم؟
 
في كل مرة، كانت المؤسسة الدينية تتحرك من خلال سياسة رد الفعل لدحض الرأي المتشدد الذي ينكر علاقة تهنئة الأقباط بالإسلام، ويكون موقفها نابعا من مسؤولية سياسية واجتماعية بأن من واجبها ضرب معتقدات المتطرفين، لكن استمرار حضورها في المشهد مع اختفاء سبب الظهور سنويا، أثار علامات استفهام كثيرة.
 
لا ينكر بولا نصيف، شاب مسيحي تربطه علاقة صداقة مع شباب مسلمين، أنه كان يُمني نفسه بخفوت صوت المؤسسة الدينية هذا العام، وأن تكف عن إصدار فتاوى تجيز وتبيح تهنئة الأقباط في أعيادهم، طالما أن الطرف الآخر (يقصد المتشددين) لم يبادر بالتحريم، ولم يعمد لإصدار رأي يخالف توجهات الدولة.
 
وأضاف لـ”العرب”، أنه تحدث مع أصدقائه المسلمين في هذه النقطة، وأبدى امتعاضه من تكرار إقحام رأي الدين في العلاقة بين أصحاب العقائد المختلفة، وكان ردهم أن هذه النوعية من الفتاوى لها مآرب سياسية كمحاولة البقاء في المشهد المجتمعي، وممارسة دور الوصي على الناس، وأنهم لا يتأثرون بمضمون الرأي المؤيد أو المعارض للتقارب مع بولا وباقي الأقباط.
 
وقال الشاب “أغلب المسيحيين لا ترضيهم الفتاوى الموسمية التي تبيح تهنئتهم بأعيادهم، لأن ذلك يكرس لديهم الشعور بأنهم أقلية مجتمعية، ويجوز المنّ عليهم وترضيتهم بالمعايدة، والمفترض أننا تجاوزنا هذه المرحلة لينخرط الجميع في تعايش بعيدا عن نوع الهوية الدينية. فالأديان السماوية كلها مقدرة، ومن المنطقي ألا يغضب الله من التلاحم بين عباده”.
 
ويقود ذلك، إلى كشف أن ما تقوم مؤسسات دينية من تلقاء نفسها بإباحة تهنئة غير المسلمين، لا يخدم التعايش في المجتمع، بل يغذي الفرقة ويثير مفاهيم مغلوطة عن الطائفية، لأن من يقرأ مضامين الفتاوى الرسمية نفسها، يشعر وكأن الأفراد قد وصلت علاقاتهم مع بعضهم حد القطيعة، وهناك من يسعى لجمع شتاتهم مرة أخرى.
 
وإذا كانت هذه الجهات تعتقد أنها بذلك تواجه التطرف والتشدد وتكرس التعايش بين الناس، فهي مخطئة، حيث تسمح لضعاف النفوس بأن يعيدوا التنقيب في خلفيات فتوى التهنئة، والاطلاع على آراء أخرى للوقوف على الحقيقة، وهنا تكون المفاجأة، حيث إن المنصات الإلكترونية التي أباحت الفعل تعج بفتاوى تحرم تهنئة المسيحيين.
 
وتكمن خطورة ذلك، في أن هناك شريحة في المجتمع، أي مجتمع، تتعامل مع الفتاوى الرسمية، ولو كانت تستهدف التعايش والتقارب بين الديانات، باعتبارها سياسية ومشكوك في صحتها، لأنها تخدم صانع القرار أو صدرت جراء ضغوط حكومية، ما يجعل هذه الفئة ترفض الاعتراف أو العمل بها، كنوع من التمرد على الحاكم نفسه.
 
 
وبغض النظر عن مدى تأثير الفتاوى الموسمية في قناعات الناس من عدمها، فظهورها بداعٍ أو دونه يعطي صورة مغلوطة عن العلاقة الإنسانية بين أصحاب الديانات ويظهرهم كأنهم يعيشون أزمة عميقة مع بعضهم، وأنهم بحاجة إلى من يلملم شتاتهم، مع أن أغلب الأجيال الجديدة لا تعترف بالهوية الدينية كشرط للتعايش، ويرتفع عندها منسوب التمرد على كل تدخل للدين في كل ما يخص حياة الناس.
 
وتعتبر بعض المؤسسات الدينية الفتاوى الموسمية الخاصة بتهنئة غير المسلمين دليلا على اعتدالها ووسطيتها وإيمانها بالتلاحم بين الأديان، وكل ما يسوقه البعض حول تطرفها إنما يبتغي تشويه صورتها، أيّ أنها تستثمر هذه المناسبات في كل عام لتبرئة ساحتها من الاتهامات التي تطالها وتضعها في مكانة واحدة مع التيارات المتشددة.
 
يرى متابعون، أن توظيف فتاوى التقارب بين المسلمين والمسيحيين للإيحاء بوسطية أيّ مؤسسة دينية، له انعكاسات على التعايش بين أبناء المجتمع الواحد، وفي كل مرة قد يتساءل البعض، إذا كان التلاحم بين الديانات مسألة بديهية وإنسانية؟، لماذا يثار الجدل الديني حولها، وتضطر شريحة بعينها إلى مراجعة مواقفها عن التعايش بين العقائد؟
 
يرتبط نشر ثقافة المشاركة بين أفراد المجتمع في كل شيء بعيدا عن الانتماء الديني، بإسكات صوت الفتاوى المؤيدة والمعارضة، فلا يمكن أن تكون عبارة “كل عام وأنت طيب”، بحاجة إلى نص قرآني يبيحها أو يحذر من التلفظ بها، لأن التعايش يشترط التحرر المطلق من هيمنة الدين على حياة الأفراد، حتى لو كان الهدف إنسانيا.
 
ووجود شريحة في المجتمع ما زالت تؤمن بربط حياتها وعلاقاتها برأي الدين لتجنب الدخول في دوامة التحريم، لا يلغي وجوب تثقيف الناس على أن تكون علاقاتهم مع الآخرين أكثر تحضرا، ويبدأ ذلك من تركهم وشؤونهم ليكتسبوا المعاني الإنسانية من البيئة المحيطة والتعاملات اليومية، لا من الشيخ والإمام والخطيب والمفتي.
 
استيضاح متكرر
 
قال عبدالغني هندي عضو مجلس البحوث الإسلامية بالقاهرة، إن أزمة المؤسسة الدينية أنها تعيش مرحلة رد الفعل دائما، ولا تضع أسسا علمية لأي قضية شائكة لتكون بمثابة دستور يمشي عليه الناس مستقبلا، دون أن تظهر في كل مناسبة لتعيد تكرار نفس الكلام بذات المعنى، وكأنها في معركة كلامية مع الخطاب المتطرف.
 
وأضاف لـ”العرب”، أن المتشددين فرضوا على المجتمع أن يعيش حالة من الاستيضاح المتكرر حول موقف الدين من التعايش مع أصحاب الديانات المختلفة، وهو ما يجعل الفتاوى الموسمية حاضرة، حتى أصبحنا أمة لا تتعلم جيدا من الأخطاء، وتعيش الماضي بكل سوءاته، دون أن تتقدم في مستوى الوعي والتحضر لخطوات حتى تكرس التلاحم بين الناس على أسس إنسانية.
 
ويصعب أن يتجاوز المجتمع هذه المرحلة، قبل أن تضع المؤسسات الدينية لنفسها مساحة معينة بشأن تغلغلها في حياة الأفراد، فلا يمكن أن يكون هناك تعايش مع استمرار الظهور على الناس في كل مناسبة دينية، تارة لإباحة التهنئة، وأخرى حول مدى شرعية توزيع لحوم الأضاحي على الأقباط، وثالثة للسؤال عن إخراج الزكاة  لغير معتنقي الدين الإسلامي، في حين أن كل هذه الأمور بديهية.
 
وصار الناس يتطلعون لمرحلة يكون فيها الدين مجرد مفردة في حياتهم الاجتماعية، لا يتم إقحامه في الحلال والحرام في مختلف الموضوعات وشتى المجالات، لأنه مع كل قضية تمس العلاقات الشخصية، يكون هناك مؤيدون ومعارضون باسم الدين، وإزاء ذلك يقف كثيرون في حيرة من أمرهم: مع أيّ طرف نسير، ونؤمن بأفكاره ومعتقداته ووجهة نظره، خاصة وأن الخطاب المتطرف يتربص بهم وهو صاحب مبادرة وأكثر تأثيرا غالبا، ما قد يتيح له كسب المعركة لصالحه.
 
وقد يجد المرء فتاوى رسمية تبيح مصافحة غير المسلم، حيث هناك آراء تدعو المسلمين لسؤال غيرهم عن هويتهم الدينية قبل مصافحتهم، في مؤشر يعكس إصرار هذه المؤسسات على أن تمارس دور الوصي الاجتماعي والولي الشرعي الذي يبيح ويحرم ويرسم الإطار الذي تدور حوله تعاملات البشر مع بعضهم، وجعلهم أسرى لتوجهاته وأفكاره بغض النظر عن سلامتها.
 
وتبرر بعض الأصوات الدينية إصدار المؤسسة لهذه النوعية من الفتاوى الموسمية، بأنها رد فعل على استفسارات وردت إليها من الجمهور، وهو تبرير غير منطقي، لأن جهات كبيرة، بحجم وثقل الأزهر ودار الإفتاء في مصر، لا يفترض جرها لمعترك اجتماعي يمس جوهر علاقات الناس، ما قد يثير الفرقة ويضرب التعايش.
 
عندما تخرج فتوى تبيح تهنئة الأقباط بناء على استفسار أحد المواطنين، رغم أن الصوت المتشدد لم يمارس هواية كل عام بتحريم ذلك، فذلك يثير أصحاب العقليات المتحجرة ويدفعهم للرد والاشتباك. وبالتالي، لا يُشترط أن تتفاعل المؤسسة الرسمية مع كل سؤال يأتي إليها، ويمكن لها أن تجيب على صاحبه بشكل خاص دون إصدار بيان للناس، ويُعاد الجدل حول قضية اجتماعية قتلت بحثا وحسمت في المئات من المرات.
 
وأكد سامح عيد الباحث في شؤون الإسلام السياسي، أن قناعة المؤسسات الدينية بأن الفتاوى الموسمية حول علاقات المسلمين بالديانات الأخرى تكرس التعايش، اعتقاد خاطئ، لأنها أحد مظاهر الكراهية، ولا يمكن التعويل على رأي الدين في تثقيف الناس على التعامل بإنسانية، طالما أن هناك مظاهر للفرقة، مثل الاحتقان الطائفي.
 
وذكر لـ”العرب”، أن الإرادة السياسية وحدها من تكرس التلاحم بين أفراد المجتمع الواحد، وهناك أمثلة لبلدان عربية نجحت في تجاوز العقبة الدينية وفرضت التعايش كأمر واقع، ويصعب إبعاد الدين عن حياة الناس، طالما استمرت المعارك الكلامية بين الحلال والحرام في المناسبات الدينية كل سنة، فيما المطلوب صمت الطرفين.
 
وقال “للأسف هناك من يعتقد أن إباحة المؤسسة الدينية لأي تقارب مع المسيحيين يحمل رسائل طمأنة لهم بأنهم جزء من النسيج الوطني، ولا خوف عليهم من الإسلاميين، مع أن بث الطمأنينة في نفوسهم يكون بعدم الزج بهم في مضمون فتوى تجعل المجتمع يتخوف من تبعات التلاحم الذي لا يعترف بهيمنة الدين”.
 
وربما لا يؤثر كثيرا إسكات أصحاب الفتاوى الموسمية في قناعات الأسر التي وقعت فريسة للتيارات المتشددة، وتوارثت أفكارا مغلوطة عن العلاقات الإنسانية، لذلك فإن أكثر من نصف المجتمع من الشباب والمراهقين، سيتم حمايتهم من الأفكار الملوثة وتحصين عقولهم من أن تكون أسيرة لفتوى تحدد مسار حياتهم.
 
ويؤسس تحقيق هذا الخطوة مجتمعا عصريا يتعايش أفراده معا، ينبذون العنصرية والفرقة ويكرسون الانسجام، ولدى كل واحد منه فرصة الاقتراب من قيم وتعاليم الأديان المختلفة، من خلال الصداقات والعلاقات الاجتماعية البعيدة عن الانتماء العقائدي، ليصل الناس إلى مرحلة يؤمنون فيها بأن الأديان بريئة من الكراهية والإقصاء.
 
 
 
 
 
المصدر: العرب اللندنية