العلمانية
ترجمات: إرهابيون واثقون: كيف يمكن أن تسهم الفاعلية الذاتية في التطرف العنيف؟

ليندا شليجل

الأربعاء 15 أيار 2019

تقدم كبير في مجال الدراسات المتعلقة بالإرهاب بشكل عام والتطرف بشكل خلال العاميين الماضيين. ورغم وجود قدر هائل من البحوث النظرية والتجريبية، لازالت هناك ظواهر معينة لم تفهم بعد بشكل كامل. إحدى تلك الظواهر غير المفهومة تتصل بهذا السؤال: لماذا يسلك بعض الأفراد منهجاً عنيفاً بعد وقوعهم في الفكر المتطرف، بينما لا يفعل آخرون الشيء ذاته؟ وفي حين وجود العديد من الدراسات حول مسألة التطرف (1)، إلا أن معظمها يركز على جوانب أخرى من التطرف، وأسبابه وجذوره (2)، كما أن أبحاثاً أخرى تتأمل عوامل الدفع والجذب “الاستقطاب” التي تجعل الأفراد أكثر عُرضة للتأثر السريع بالأفكار المتطرفة (3). الخطوة الأخيرة في سلم التطرف لم تفهم بعد والمتمثلة في الانتقال من التطرف النظري إلى التطرف العملي العنيف، بعبارة أخرى الفرق بين تبني تصور ما عن العالم، إلى الانخراط في العنف دفاعاً عن ذلك التصور النظري.
 


 كيف تنشأ الفاعلية الذاتية؟

أحد النظريات الهامة بسبب قيمتها التأويلية في تفسير قرار الانخراط في التطرف العنيف، نظرية الفاعلية الذاتية التي نجدها في كتابات ألبرت باندورا عالم النفس الكندي الذي طور نظرية اجتماعية-نفسية متكاملة، هي “النظرية المعرفية الاجتماعية”، سعى فيها إلى تفسير محددات السلوك البشري وآلياته (4). يتبنى باندورا منظوراً تفاعلياً، يفترض أن الأشخاص يتشكلون من خلال بيئتهم ولكنهم يُشكلون لاحقاً تلك البيئة بأنفسهم. البنية الظرفية تتفاعل مع قدرة الشخص على تشكيل أساسنا المعرفي والسلوكي. وفي هذا التفاعل بين العالم الاجتماعي والذات، تنشأ الفاعلية الذاتية. وفي حين أنها تتعلق بما يسمى “السعي للظهور”(5)، فإن الفاعلية الذاتية أكثر من مجرد الرغبة في كسب الأهمية أو “أن يصبح المرء شخصاً معروفاً”، إنها الاعتقاد بأن الشخص قادرة على الفعل. وبدلاً من وصف المهارات الموضوعية أو القدرات، تصف الفاعلية الذاتية التصور الذاتي للشخص حول قدرته على الفعل. إنه إجراء لوصف إيمان الفرد بقدراته على التصرف بشكل ناجح في أي موقف. رؤيتنا للفاعلية الذاتية هي التي تتحكم في الإجراءات وردة الفعل تجاه المواقف التي نتعرض لها. الفاعلية الذاتية المنخفضة تقودنا إلى توقع الفشل، والأشخاص الذين لا يتوقعون النجاح في ما يقدمون عليه يفقدون المحفزّات عل الإقدام واتخاذ القرار بعكس الأشخاص الذين لديهم فاعلية ذاتية مرتفعة عادة ما يكونون واثقين من أنفسهم وهو ما يزيد من احتمالية اقدامهم على اتخاذ موقف معين والقيام بما يتطلبه من إجراءات. ومن ثم، يمكن القول بأن الفاعلية الذاتية تحدد بشكل جزئي المواقف الاجتماعية التي نتعرض لها أو نقدم عليها.(6).

نظرية “الفاعلية الذاتية” أكدت في سياقات متعددة أنها جديرة بالثقة (7)، كما أنها تلعب دوراً كبيراً في  يعزز من احتمالية أن تلعب الفاعلية الذاتية أيضاً دوراً في عمليات التحول للتطرف. فإذا كانت الفاعلية الذاتية تحدد متى وكيف نقرر الإقدام على أفعال محددة، كما أن غيابها يجعل الأفراد ينسحبون من المواقف التي يعتقدون أنهم لن ينجحوا فيها؛ فإن من يحظون بالفاعلية الذاتية وفق رؤية محددة هم القادرين على التحول إلى التطرف العنيف.

التطرف الفكري عادة ما يكون مستقلاً عن تصورات الفاعلية الذاتية، غير أن التطرف السلوكي المبني على تصورات وأفكار عنفية يستلزم رؤية ذاتية بأن الفرد قادر على العمل بشكل فعّال. التطرف العنفي يستلزم إيمان الفرد بقدراته الذاتية، أي القدرة على الأفعال التي تحظى بأهمية وفاعلية في الواقع.

الفاعلية الذاتية لا تنتج في الفراغ أو نتيجة لعمليات التفكير الداخلي؛ فالفرد لا يستيقظ فجأة ليقرر أن يتحول إلى إرهابي، حيث أن اكتساب الفاعلية الذاتية الذهنية هي صيرورة وعملية اجتماعية. ولأن الفاعلية الذاتية تتأثر بشكل جزئي من خلال العوامل الخارجية فإن السؤال الذي يطرح حينئذ : كيف تسعى التنظيمات الإرهابية لزيادة الفاعلية الذاتية لكوادرها بغية تحفيزهم على القيام بأعمال العنف. ورغم أن تصورات الفاعلية الذاتية تتأثر بعوامل متعددة، يرى باندورا، أنها تتأثر بأطروحات الشخصيات الاجتاماعية المؤثرة والتي تتفاعل مع الرؤية الخاصة للفاعلية الذاتية، وهو ما يجعل من مسألة الإقناع الاجتماعي والخبرات غير المباشرة مسائل في غاية الأهمية لأبحاث التطرف.

الإقناع الاجتماعي

تصور المرء لذاته ليس أمراً ثابتاً بل يتطور باستمرار ويصبح قابلاً للتعديل. وتصورات الفاعلية الذاتية المستندة إلى تصوراتنا لقدرتنا على الفعل هي بالتالي تتطور مع مرور الوقت. وتشكل القناعات الاجتماعية التي تؤسسها رموز المؤثرة والتي تحظى بالسلطة أحد أهم العوامل الخارجية في التأثير على رؤيتنا للفاعلية الذاتية، فالشخصيات ذات الكفاءة في تشخيص التصورات للآخرين، والقدرة على الحكم في قدراتهم مؤثرون في الفاعلية الذاتية. على سبيل المثال، يمكن للمدرسين التأثير على الفاعلية الذاتية المتصورة لطلابهم من خلال ملاحظاتهم وتشجيعهم. ويمكن للإقناع الاجتماعي أن يرفع أو يخفض من تصورات الفاعلية الذاتية للشخص المتلقي اعتماداً على الرمزالذي يحظى بسلطة ما عبر تواصله مع الأفراد. فإذا كان شخص ما يؤمن بقدراتنا، فمن المرجح أن نؤمن بقدراتنا. وإذا أعرب شخص ما عن توقعه لنا بالفشل، يمكننا أيضاً أن نشك في قدراتنا. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الإقناع الاجتماعي لا يمكن أن يؤتي أثره الكامل إلا إذا كان الفرد يعتقد أن الشخصية الرمزية التي تحظى بالسلطة، تمتلك الكفاءة التشخيصية، بمعنى القدرة على الحكم بشكل كاف على قدراته.

في سياق الدعاية المتطرفة، الرموز الذين يحظون بالسلطة والتأثير هم المسؤولون عن تجنيد الكفاءات المتخصصة أو قادة التنظيم العسكريين أو الملهمين. ومن خلال الأدوات التكنولوجية الجديد المتاحة لهم، يمكن الآن لرموز السلطة من ذوي الكفاءة التشخيصية أن التواصل المباشر مع المجندين المحتملين بغض النظر عن المسافة أو فارق التوقيت عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي وبرامج الدردشة. ويمكنهم أن يكيفوا رسائلهم لتناسب كل فرد على حدة، وأن يقوم بتحفيز الآخرين على التحرك من خلال تعزيز تصورات الفاعلية الذاتية للفرد المجند عبر استراتيجيات التواصل الفردية. وهذا يمكن أن يعزز، على سبيل المثال، احتمالية ما يطلق عليه العمل الإرهابي “المتحكم فيه عن بعد”، الذي يتم فيه توجيه مرتكب العمل الإرهابي بشكل دقيق من خلال رموز السلطة عبر تطبيقات المحادثة المباشرة من خلال شبكة الإنترنت، وهذا ما يميّز هذا النوع من الشخصيات المستهدفة عن عن “الذئاب المنفردة”.

الخبرات غير المباشرة

الرموز التي تحظى بالسلطة ليست العامل الوحيد في التأثير على تصورنا للفاعلية الذاتية، فالخبرات غير المباشرة، التي تسمى أيضاً تأثيرات النمذجة، تصف كيف تتأثر تصورات الفاعلية الذاتية بمشاهدة الأقران. عندما نشاهد أحد الأقران يقوم بفعل ما بنجاح، نكون أكثر ميلاً للاعتقاد بقدرتنا على القيام بهذا العمل أيضاً. وفي حالة التطرف العنيف على وجه الخصوص، حيث قد لا يستطيع الأفراد الاعتماد على التجارب السابقة لتقييم قدراتهم وتشكيل كفاءتهم الذاتية، يمكن أن تُشكّل ملاحظة أقرانهم أمراً أساسياً في الحكم على احتمال نجاحهم إذا أقدموا على عمل مماثل. تأثيرات النمذجة لا تعني التقليد في السلوك. نتمتع، نحن البشر، بالقدرة على التأمل وتقييم الملاحظات حسب المعايير المعرفية الداخلية الخاصة بنا قبل أن نتصرف، ومع ذلك يمكن أن تؤثر التجارب غير المباشرة على فاعليتنا الذاتية المتصورة إذا رأينا أنها مناسبة لسلوكنا. ويعتمد مدى تأثير التجارب غير المباشرة في الحالة الفردية جزئياً على درجة التشابه التي يعرضها النموذج. وكلما كان النموذج أكثر شبهاً بالفرد المُراقِب، كانت التجارب غير المباشرة أكثر تأثيراً في تكوين تصورات الفاعلية الذاتية.

وليس من قبيل المصادفة أن جماعات مثل “داعش” تستغل الأجانب كرموز بارزة في استراتيجية الدعاية العالمية. وقد توصلت دراسة أعدها معهد “بروكينجر” إلى أن من بين 20 ألف حساب لداعش على تويتر تم دراستها، اختار واحد من بين كل خمس أفراد اللغة الإنجليزية لغة التواصل الأساسية لهم (8). وخلال ذروة نفوذه، سمح تنظيم داعش للمقاتلين الأجانب بمشاركة خبراتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتضمينها في مقاطع الفيديو الدعائية للتنظيم. وقد أظهر تأثير النمذجة على المقاتلين الأجانب المستقبليين، الذين لم يكونوا قد انضموا بعد للتنظيم، درجة عالية من التشابه مع المجندين المحتملين ومن ثم أدى إلى تعزيز الفاعلية الذاتية المتصورة لهؤلاء الأفراد، الذي أدى بدوره لتعزيز احتمالية قيامهم بعمل عنيف واتخاذ قرار السفر إلى “الخلافة” المزعومة.

الفاعلية الذاتية هي أحد محددات السلوك الإنساني، ومن ثم من المحتمل أن تلعب دوراً في عملية التطرف والسلوك العنيف اللاحق أيضاً. ومن خلال الإقناع الاجتماعي وتأثيرات النمذجة في الدعاية المتطرفة، تسعى التنظيمات الإرهابية إلى تعزيز تصورات الفاعلية الذاتية لدى المجندين المحتملين بغية تحفيزهم على القيام بأعمال عنيفة. ومن المحتمل أيضاً أن تشكل ثقة المرء في قدراته ووجود درجة عالية من الفاعلية الذاتية عوامل مهمة في ارتكاب أعمال العنف وانفتاح الشخص على الشبكات الاجتماعية للمتطرفين. وختاماً، هناك حاجة لإجراء مزيد من البحوث، لاسيما ذات الطبيعة التجريبية، لدعم التطبيقات النظرية لمفهوم الفاعلية الذاتية على التطرف العنيف، ولكن حتى الآن يبدو أن هذا المفهوم يشكل خطوة هامة في فهم عمليات التطرف العنيف.


المصدر: عين أوربية على التطرف - كيوبوست عربي