العلمانية
فرنسا تتسلح بنصوص تشريعية وتمضي في محاصرة الجيوب التكفيرية

العرب اللندنية

الجمعة 6 تشرين الأول 2017

فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية، أدركت مؤخرا أن المساجد في عقيدة التكفيريين ليست دور عبادة بالمفهوم الروحاني الخالص، ولكنها مراكز استقطاب لتجنيد الشبان في المنظمات الإرهابية، لذلك حسمت أمرها في مكافحة هذه الخلايا الإرهابية استنادا على نصوص تشريعية، ولم يلق هذا المشروع معارضة تذكر بعد حالات الفزع التي خلفها الإرهابيون في عملياتهم الأخيرة.

واضح أن أوروبا قاطبة قد حسمت أمرها وقررت بأن لا مجال للتساهل أو التراخي في الحملة على الإرهاب ومحاصرة بؤره وخلاياه على أراضيها بعد أن أصبح يضرب في عمق مدنها وبأشكال تزداد وحشية وشراسة يوما بعد يوم.

ويوعز مراقبون هذه الطرق الموغلة في الدموية والتي ينفذها أفراد وعناصر منفردون إلى لجوء التنظيمات الإسلامية إلى طرق وأدوات بدائية ومتاحة بعد هزائمهم في العراق وسوريا ومحاصرة مصادر التمويل والإمداد، ففي هجوم إرهابي الأحد الماضي، نطق رجل بعبارة “التكبير” قبل أن يقتل امرأتين طعنا خارج محطة قطارات في مدينة مرسيليا الفرنسية.

السلطات الأمنية والدوائر الاستخبارية الغربية، أفادت في تقاريرها أن مساجد كثيرة في أوروبا قد حادت عن وظائفها العبادية، واستغلها متطرفون في نشر عقائدهم التكفيرية عبر خطب التحريض وباقي أساليب التجنيد والاحتواء.

وتعدّ فرنسا وألمانيا من أكثر دول أوروبا الغربية احتواء للمساجد، ومازالت منظمات إسلامية فيها تطالب بالمزيد من إنشاء المساجد، ففي فرنسا مثلا، ومنذ عامين دعا رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية دليل بوبكر، إلى مضاعفة عدد المساجد، وقال “لدينا 2200 مسجد، ونحتاج إلى ضعف هذا العدد بعد عامين” من دون تحديد كيفية تمويل ذلك.

السلطات الفرنسية أوجدت خططا ومشاريع لحماية المساجد من التطرف، واعتمدت استراتيجيات واضحة ومتماسكة في مراقبة سير دور العبادة الإسلامية على أراضيها، لكنها تعترف بخروج الكثير من هذه المساجد عن السيطرة، إذ أصبحت بؤرا لصناعة وتفريخ التطرف فحزمت الحكومة أمرها بالمزيد من العمل على مكافحة الإرهاب ومحاصرته في عقر داره متسلحة بنصوص قانونية رغم تعرضها لانتقادات من منظمات حقوقية.

وفي هذا الإطار، أقر البرلمان الفرنسي مشروع قانون لمكافحة الإرهاب الثلاثاء الماضي من شأنه أن يعزز صلاحيات الشرطة في مجال المراقبة ويسهل إغلاق المساجد التي يشتبه بأنها تحرض على الكراهية، وأقر المشرعون في الجمعية الوطنية (المجلس الأدنى في البرلمان)، المشروع بأغلبية 415 صوتا مقابل رفض 127.

وقبيل التصويت وصف وزير الداخلية الفرنسي جيرار كولوم، فرنسا بأنها “لا تزال في حالة حرب” بينما تجد السلطات صعوبة في التصدي للتهديد الذي يشكله المتشددون الأجانب والمحليون.

ومنذ أوائل عام 2015 قتل أكثر من 240 شخصا في فرنسا خلال هجمات نفذها مهاجمون بايعوا تنظيم داعش أو يستلهمون أفكاره بطرق مختلفة ومنها خطب رجال الدين في المساجد.

وقال كولوم للصحافيين عقب التصويت “المشرعون يدركون أن التهديد اليوم خطير وأنه يتعين علينا حماية أنفسنا من الإرهابيين، ولا بد من فعل ذلك بطريقة توازن بين الأمن والحرية”، وأضاف أن هذا النص التشريعي من شأنه أن “يساعد على حماية الشعب الفرنسي”.

وتقول الحكومة إن إجراءات الطوارئ المفروضة منذ نوفمبر 2015، عندما نفذ مهاجمون انتحاريون ومسلحون هجمات في باريس أسفرت عن مقتل 130 شخصا، كان لها دور كبير في تمكين أجهزة المخابرات من إحباط مؤامرات إرهابية.

وزارة الداخلية الفرنسية ستتمكن بعد هذا التشريع من إقامة مناطق أمنية عندما تستشعر خطرا، دون الحصول على موافقة القضاة، ما يعني تقييد حركة الناس والمركبات من هذه المناطق وإليها وامتلاك أحقية وسلطة التفتيش داخلها، بالإضافة إلى السماح بفرض الإقامة الجبرية على أشخاص دون أمر مسبق من القضاء، وهو من البنود التي أثارت جدلا في الأوساط الحقوقية.

أما المساجد فبإمكان السلطات الأمنية إغلاقها إذا استشعرت خطرا في داخلها مثل تحريض أئمة ورجال دين داخل محيطها أو تبريرهم للعنف والإرهاب في فرنسا أو خارجها، ويذكر أن السلطات الفرنسية قد أغلقت مسجدا ومكانا لصلاة المسلمين منذ يومين في ضاحية بباريس وذلك بسبب خطب تحرّض على التطرف وتشيد بالإرهاب حسبما ذكرته مصادر أمنية.

وبموجب القرار الذي صدر الاثنين الماضي، أغلق مسجد ديزاند، في سارتروفيل (شمال غرب باريس) وهو المكان المرجعي المؤثر للتيار السلفي والذي أفادت تقارير أمنية بأنه يشكل عبر الأحاديث والنقاشات التي تدار فيه من قبل مرتاديه، تأثيرا على المسلمين المحليين، مما يعني تهديدا خطيرا للأمن والنظام العام.

ووصفت السلطة المحلية المسجد بأنه “بؤرة قديمة للإسلام الراديكالي”، مؤكدة أن “بعض مرتاديه من المصلين عام 2013، توجهوا إلى القتال في سوريا والعراق ودول أخرى، وشكل هذا المسجد مكان استقطاب للجهاديين والتكفيريين”.

وتوالت عمليات إغلاق بعض المساجد بعد التأكد من أن متطرفين قد استحوذوا على منابرها وبدأوا بتوجيه المصلين نحو الفكر الداعشي عن طريق مدح وتمجيد أعمال العصابات التكفيرية بطرق مباشرة أو غير مباشرة تعتمد الإيحاء وكذلك إظهار الغضب والتذمر من السلطات الأمنية الفرنسية كما حدث على سبيل المثال في فونتوني أو روز، بجنوب غرب باريس، وقد أشاد مرتادوه بالأعمال الإرهابية.

المنتقدون للإجراءات الفرنسية الصارمة بإغلاق المساجد هم من مشارب وأصوات مختلفة ومتضاربة في التعلل واستنباط أسباب الإدانة، وهم:

* حقوقيون يرون في الأمر تضييقا على الحريات الدينية مثل منظمة هيومن رايتس ووتش، التي قالت في بيان “فرنسا أدمنت حالة الطوارئ بشدة إلى درجة أنها تضم عددا من هذه الإجراءات التي تنطوي على انتهاكات حقوقية واضحة”، وأضافت أن أعضاء البرلمان الفرنسي فضلوا سياسات الخوف على حماية الحريات المدنية التي انتزعت بشق الأنفس، وحثت البرلمان والسلطة القضائية على المراقبة الشديدة لاستخدام الحكومة لسلطتها الجديدة.

* بعض خصوم الرئيس ماكرون، من المحافظين الذين يتهمونه بالتراخي، ويقولون إن مسودة التشريع لا تسمح بكل ما تتيحه حالة الطوارئ حاليا، فهي ليست كافية، ويجب اتخاذ إجراءات أكثر ردعا، وفي هذا الصدد قال المشرع اليميني إيريك سيوتي، قبل التصويت “نحن بحاجة إلى إعادة تسليح الدولة”، وطالب بإتاحة المزيد من الصلاحيات إلى السلطات لطرد الأجانب الذين يهددون السلامة العامة.

* الإسلاميون الذين يدينون الإجراءات، ويتوعدون بالانتقام عبر مواقعهم الإلكترونية بالمزيد من العمليات، ويضاف إلى هؤلاء مدّعو الوسطية والاعتدال من أئمة المساجد في فرنسا، والذين يمسكون بالعصا من الوسط ومعهم مريدوهم والمتعاطفون مع خطابهم التحريضي التعبوي في السر، والمتكئون على المنظومة القانونية من جهة أخرى.

فرنسا (مثل غالبية البلدان الأوروبية) ماضية في قراراتها دون تراجع، وذلك تحت تعليقات منتقديها القائلين بأنها “استيقظت متأخرة”.. ولكن لا بأس فهذا أفضل من أن تظل نائمة على أذنيها باسم الحريات والحقوق والتنوع الثقافي، وهو ما مكن قادة الإسلام السياسي من زرع جيوب التطرف وتجنيد الكثير من الشباب المسلمين في صفوفهم.

ودرءا لكل الالتباسات، ستكلف لجنة برلمانية في الوقت الحالي بالعمل على التوصل إلى حلول وسطية بشأن التعديلات التي طرحها كل من مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية قبل القراءة الثانية التي تأتي قبل التصويت الحاسم.



المصدر: العرب اللندنية