لبنان في العالم
قصة ملك التاكسي في شمال لبنان

بشير مصطفى

الثلاثاء 14 آب 2018

60 عاماً مضت على بدء "الملك" عمله سائقاً للتاكسي في شمال لبنان. مسيرة طويلة كللها عمر شكري بلقب طغى مع مرور الأيام على اسمه الأصلي.

يتحدث الملك عن تجربة طويلة من التعاطي مع الناس، تغيّر معها العالم. بدأها في مطلع خمسينيات القرن الماضي عندما حصل على دفتر السواقة، الذي شكل اعترافاً رسمياً بكفاءته في قيادة السيارة، هذا "الكائن الغريب"، في تلك الفترة.

وشكل عمله سائق أجرة فرصة لقيادة عدد كبير من السيارات الأصلية والمتينة. بدأها مع سيارة كرايزلار، وشيفروليه، وصولاً إلى المرسيدس، التي تربطه معها قصة عشق لا تنتهي. فهو منذ نحو 4 عقود يقود سيارته الـ190 السوداء الشهيرة المزدانة بالنمرة الحمراء، التي باتت علامة فارقة بين سيارات بخعون العصرية.

عاش الملك حياة مليئة بالتجارب والمغامرات. ويروي أنه في إحدى المرات "حمّلت 12 شخصاً في سيارتي للذهاب إلى مدينة صور، وعند وصولي إلى نقطة تفتيش، صدم الضابط الموجود على الحاجز، وتحداني في أن أنزل الركاب ومن ثم أعيدهم إلى السيارة، وإلا سوف أتعرض لغرامة كبيرة". ونجح الملك في هذا التحدي أيضاً.

ينطلق الملك من هذه القصة للحديث عن الظروف التي كانت ترافق عمل السائق. إذ كان يضطر إلى نقل الركاب من الضنية إلى طرابلس على طريق ضيّقة لا بديل لها، وكانت مؤهلة للدواب فحسب. وفي مشهد غير معتاد حالياً، كان يستغل أصغر المساحات في سيارته، فيلجأ إلى حشر بعض الركاب عند الحاجة في "الصندوق" أو يجعلهم يتعلقون بالدفاع الخلفي للسيارة. ورغم كوميدية المشهد، إلا أنه يعتبر ذلك من ضرورات الحياة آنذاك. ففي تلك الفترة لم يكن هناك سيارات، وكان الناس المحظيون هم وحدهم من يتمكن من التوجه إلى المدينة بعد ساعات من الانتظار.

وكان الملك رفيق أبناء منطقته في أفراحهم وأتراحهم. إذ كانوا يحجزون لهم دوراً مع الملك قبل أسبوع لكي يتمكنوا من نقل العروس إلى بيتها الجديد. وعلى وقع رحلاته كانت تعيش المنطقة. ففي اليوم الذي كانت تتعطل فيه التاكسي أو تتأخر كانت المدارس تتوقف بسبب غياب الكادر التعليمي الآتي من طرابلس.

ومن أجل التخفيف على ركابه المزدحمين، كان يلجأ إلى بعض أبيات الزجل والعتابا التي تلطف الأجواء. أو كان يشغل الراديو لسماع الأخبار، فيما تفتقر سيارته للراديو كاسيت، حديث العهد نسبياً.

وشهد الملك على أيام العز التي عاشتها التبانة ولبنان. ففي تلك الأيام كانت مركزاً تجارياً مهماً، وكان الموقف يعمل على مدار اليوم، حيث يتجمع الناس للانتقال إلى مختلف المناطق اللبنانية، وإلى الدول المجاورة. وكان عدد السائقين يراوح بين 7 و10 سائقين حداً أقصى، على خلاف ما نشهده اليوم من تزاحم بين السائقين العموميين وأصحاب النمر المزورة.

كما شهد على التحوّلات السياسية والاقتصادية في لبنان والمنطقة. فقد شارك مع أهالي الضنية في استقبال الرئيس بشارة الخوري في أول زيارة لرئيس جمهورية إلى الضنية بعد الاستقلال، حيث تم نقل الأهالي في الشاحنة إلى منطقة الشرفة لإلقاء التحية على الرئيس أثناء توجهه إلى سير، المقر السياسي آنذاك. وهو يتذكر التجمع حول راديو سيارته لسماع أخبار انتصارات الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر بواسطة المذيع أحمد سعيد عبر أثير صوت العرب. وقد تحمس للوهلة الأولى لحمل السلاح والتوجه مع الناس إلى سراي طرابلس لمواجهة النظام المسيطر آنذاك. كما تحسس الملك، أثناء عمله، صعود النفس الطائفي في لبنان. ففي "المرحلة السابقة لثورة الرئيس كميل شمعون لم يكن هناك تمييز بين مسيحي ومسلم".

ولا يتأخر الملك في إجراء مقارنة بين الأزمنة المتلاحقة، على مختلف المستويات. ففي السابق كان الناس قانعين بحياتهم "ويكتفون برغيف تنور حاف"، وتسود حياتهم المحبة. ورغم التطور على صعيد النقل والحياة المعاشة، إلا أن "مستوى الأخلاق في تدن مستمر". وهذا الأمر دفعه إلى التقليل من مشاويره في السيارة إلى حدودها القصوى، والاكتفاء بالتجوّل في بخعون والمحيط.

عاش الملك حياة طويلة من التجارب التي جعلته جزءاً من الذاكرة الجماعية. فقد تنقل بواسطة سيارته بين مختلف الثقافات، وصولاً إلى مرسين واسطنبول في تركيا، ودولة الكويت الغنية والخليج العربي. ويعترف أن "قيادة سيارة الأجرة ليست الطريق إلى الثروات السريعة"، إلا أنها تؤمن كفاف الحياة. فهو تمكن من تربية 10 أبناء من عرق جبينه.

يتوّج الملك اليوم مسيرته بإنجاز جديد. فهو تحوّل إلى "شيخ الصلح" في منطقته، مستثمراً محبة الناس التي اختزنها خلال مشواره الطويل والغني.



المصدر: المدن