لبنان في العالم
لبنان... بين العقل والقلب

السفير مسعود المعلوف

الأربعاء 13 كانون الثاني 2021

عندما أفكر بما حلّ بلبنان منذ أكثر من سنة حتى الآن، دون أن نرى حلولاً في الأفق، فإنّ العقل يقول لي إنّ لبنان في طريق الزوال. كيف لا وثورة 17 تشرين الأول فشّلها المسيطرون على البلد بشعاراتهم الطائفية والمذهبية القتالة، كيف لا والفساد ما زال مستحكماً بمفاصل الدولة على مختلف المستويات، من دون أية محاولة جدّية لمعالجة هذه الآفة. كيف لا والمصارف تحتجز أموال المودعين والليرة خسرت 80% من قيمتها والأسعار ارتفعت نحو 300%، ما أوصل أكثر من نصف سكان البلد إلى ما تحت عتبة الفقر.
 
 
كيف لا وتفجير مرفأ بيروت دمّر قسماً من العاصمة وشرّد مئات آلاف المواطنين، والمسؤولون لا يرف لهم جفن ولا يتركون القضاء يقوم بالتحقيق الموضوعي النزيه لتحديد المسؤوليات، ولا يسمحون بتحقيق دولي بحجة أنّ ذلك ينتقص من السيادة الوطنية! وقد جاءت هذه الأزمات المتتالية، على خلفية جائحة كورونا التي تفتك بالسكان وتعطّل الحياة الإقتصادية، عبر إقفال المتاجر والمطاعم والمقاهي والملاهي. فهل يُعقل في مثل هذه الظروف أن يكون لبنان من دون حكومة نشطة وفاعلة، تحاول معالجة هذه الأزمات والسعي الى إيجاد الحلول المناسبة لها؟ لبنان بلا حكومة لأنّ القوى السياسية لا تستطيع أن تتفق ومنكبة على التحاصص في المراكز، فكل فريق يريد هذه الوزارة أو تلك للإستفادة منها ولإفادة مؤيّديه، أو خوفاً من الكشف عن فشله في المرحلة السابقة، أو تجنباً من كشف فساد وفضائح وسرقات، فيصرّ على الإحتفاظ بوزارة، فشل فشلاً ذريعاً في إدارتها، أو أنّه يريد ما أصبح يُعرف بالثلث المعطّل، ليعطّل عمل الحكومة إن لم تسر الأمور وفقاً لمصالحه، وكأنّهم من فصيلة الضباع التي تتناتش جيفة حمل ميت، لتقاسم القليل مما تبقّى من لحم مهترئ على عظام هذه الجثة.
 
 
 
هذا الوضع يعيد الى أذهاننا ما قاله وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان أمام مجلس الشيوخ في باريس، قبيل زيارة الرئيس ايمانويل ماكرون الأولى الى لبنان بعد تفجير المرفأ، حيث أشار الى أنّ لبنان مصيره الزوال إن لم يقم الحكّام بالإصلاحات المطلوبة، في سبيل الحصول على دعم الدول المانحة والمؤسسات المالية الدولية. ولكنّ المسؤولين في لبنان لم يقوموا بأية إصلاحات من شأنها أن تعيد الثقة بالبلد وتشجّع المجتمع الدولي على دعمه ومساعدته، وبدل أن تتحسن الأمور عبر معالجة جدّية من قِبل المسؤولين، نرى الأوضاع تزداد سوءاً وتفاقماً، والأمل بالوصول الى حلول لمشاكلنا وأزماتنا لم يعد موجوداً، وهذا ما أدّى الى فقدان الثقة بالوطن بصورة كاملة داخلياً وخارجياً. أمام هذا الواقع الواضح للجميع، والذي يعيشه اللبنانيون بكل تفاصيله، يقول لي العقل، إنّ لا أمل بلبنان بعد الآن، فالمسؤولون لا يهمّهم سوى مصالحهم الذاتية، والشعب، في ظلّ النظام الطائفي المتحكّم بمفاصل الدولة، والذي يصعب إن لم يكن يستحيل التخلّص منه، سينتخب مجدداً هؤلاء المسؤولين أنفسهم أو أولادهم أو من ينوب عنهم. فالأمل بالخروج من هذا المأزق مفقود كلياً، وأي تحليل عقلاني لا يمكن إلّا أن يوصلنا الى هذه النتيجة السلبية. وفي الوقت الذي أجد فيه عقلي يحلّل منطقياً، ويقنعني بأنّ لبنان قد انتهى ولا يمكن أن يخرج من الوضع المأساوي الذي هو فيه الآن، أرى قلبي في المقلب الآخر من هذه التحاليل. فالذاكرة تعود بي الى ما تعلّمته أيام الدراسة عن لبنان بأنّه بلد الإبداع والتفوق، وكيف أنّه تجاوز أزمات أصعب بكثير من تلك التي نعيشها حالياً، من احتلال عثماني دام أربعة قرون وتخلّصنا منه، الى حربين عالميتين ومجاعة فتّاكة وخضوع لحكم فرنسي، بالإضافة الى ما عايشته شخصياً من حروب أهلية مدمّرة وظروف قاسية. يذهب بي القلب الى لبنان بلد الحضارة والثقافة، لبنان بلد الجمال الطبيعي، لبنان المذكور في الكتاب المقدس 71 مرة، لبنان الذي يزيد عمره عن ستة آلاف سنة، لبنان بلد الإشعاع والنور، لبنان الذي غزا العالم بمغتربيه الذين برعوا في مجالات التجارة والطب والعلوم والذين تبوؤا مراكز سياسية وقيادية عالية جداً في بلاد الإغتراب، هل يمكن لهذا اللبنان أن يزول وينتهي؟ بالرغم من التحليل الموضوعي لاستحالة الخروج من أزماتنا المعقّدة في الظروف السائدة، أرى قلبي يجذبني نحو لبنان الذي خدمتُ في إدارته أكثر من أربعة عقود من الزمن في شتى أنحاء العالم، مدافعاً باستماتة عن حكوماته المتتالية ومظهراً للمغتربين اللبنانيين المنتشرين في أصقاع العالم جمال وطنهم الأم ومشجعاً إيّاهم على دعمه وزيارته والإستثمار فيه، ومركزاً دائماً على أهمية لبنان كمركز للحوار بين الحضارات وكبلد تعددي فريد من نوعه، لدرجة أنّ البابا القديس يوحنا بولس الثاني وصفه بأنّه أكثر من دولة بل هو رسالة.
 
 
فهل يمكن لعقلي أن يقنع قلبي بأنّ هذا اللبنان الذي أعشق ذاهب الى زوال؟ كلا ثم كلا. لبنان لن يزول ولبنان لن ينتهي! يقول لي القلب - خلافاً لما يقوله العقل - إنّ الذي سيزول هو هذه الطبقة السياسية الفاسدة التي أوصلت لبنان الى الإنهيار. ويقول لي أيضاً إنّ الشعب الذي تمّ قهره وإفقاره وتهجيره، سينتفض من جديد، متجاوزاً الإعتبارات الطائفية والمذهبية ليؤسس وطناً مدنياً يتميز بفصل الدين عن الدولة، مع إحترام تام لجميع الطوائف ومساواة بين جميع المواطنين، في جو من حرّية التعبير، ومتمسكاً بعروبته الأصيلة مع احتفاظه بالقومية اللبنانية التي ينادي بها ويدعو لها الدكتور فيليب سالم في العديد من كتاباته. فالقلب الذي نبض حباً للبنان طيلة 75 عاماً لن يغيّر مساره، ومهما حاول العقل والتحليل المنطقي إقناعه بقرب زوال الوطن الحبيب، فإنّ ذلك لن يجدي نفعاً. لديّ قناعة فطرية راسخة بأنّ لبنان سينتصر وسيخرج من هذه الظروف القاسية، وإن تطلّب ذلك طبعاً بعض الوقت، ولكن لا محال سيصل الى شاطئ الأمان، ومع أني لا أحب كثيراً تشبيه لبنان بطائر الفينيق الذي يخرج من الرماد ليطير مجدداً، إلّا أني أرى لبناننا الحبيب عائداً الى سابق عهده من الرقي والإزدهار، ليحتل من جديد مكانه بين الدول الراقية، وليستعيد مكانته المتقدمة في العالم. قضيت حياتي أصغي الى توجيهات عقلي، وأقتنع بتحليلاته المنطقية وأعمل بموجبها من دون تردّد، ولكن في ما يتعلق بمصير وبمستقبل لبنان، فلن أصغي إلّا لما تنبئ به نبضات قلبي المفعم بالحب لهذا اللبنان الذي ولدت وترعرعت فيه وأخذته معي أينما حللت في بلاد الله الواسعة من أقصى الغرب الى أقصى الشرق ومن أقصى الشمال الى أقصى الجنوب. لبنان باقٍ، باقٍ، باقٍ، شاء العقل أم أبى.
 
 
عندما أفكر بما حلّ بلبنان منذ أكثر من سنة حتى الآن، دون أن نرى حلولاً في الأفق، فإنّ العقل يقول لي إنّ لبنان في طريق الزوال. كيف لا وثورة 17 تشرين الأول فشّلها المسيطرون على البلد بشعاراتهم الطائفية والمذهبية القتالة، كيف لا والفساد ما زال مستحكماً بمفاصل الدولة على مختلف المستويات، من دون أية محاولة جدّية لمعالجة هذه الآفة. كيف لا والمصارف تحتجز أموال المودعين والليرة خسرت 80% من قيمتها والأسعار ارتفعت نحو 300%، ما أوصل أكثر من نصف سكان البلد إلى ما تحت عتبة الفقر.
 
 
كيف لا وتفجير مرفأ بيروت دمّر قسماً من العاصمة وشرّد مئات آلاف المواطنين، والمسؤولون لا يرف لهم جفن ولا يتركون القضاء يقوم بالتحقيق الموضوعي النزيه لتحديد المسؤوليات، ولا يسمحون بتحقيق دولي بحجة أنّ ذلك ينتقص من السيادة الوطنية!
 
 
وقد جاءت هذه الأزمات المتتالية، على خلفية جائحة كورونا التي تفتك بالسكان وتعطّل الحياة الإقتصادية، عبر إقفال المتاجر والمطاعم والمقاهي والملاهي. فهل يُعقل في مثل هذه الظروف أن يكون لبنان من دون حكومة نشطة وفاعلة، تحاول معالجة هذه الأزمات والسعي الى إيجاد الحلول المناسبة لها؟
 
 
لبنان بلا حكومة لأنّ القوى السياسية لا تستطيع أن تتفق ومنكبة على التحاصص في المراكز، فكل فريق يريد هذه الوزارة أو تلك للإستفادة منها ولإفادة مؤيّديه، أو خوفاً من الكشف عن فشله في المرحلة السابقة، أو تجنباً من كشف فساد وفضائح وسرقات، فيصرّ على الإحتفاظ بوزارة، فشل فشلاً ذريعاً في إدارتها، أو أنّه يريد ما أصبح يُعرف بالثلث المعطّل، ليعطّل عمل الحكومة إن لم تسر الأمور وفقاً لمصالحه، وكأنّهم من فصيلة الضباع التي تتناتش جيفة حمل ميت، لتقاسم القليل مما تبقّى من لحم مهترئ على عظام هذه الجثة.
 
 
هذا الوضع يعيد الى أذهاننا ما قاله وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان أمام مجلس الشيوخ في باريس، قبيل زيارة الرئيس ايمانويل ماكرون الأولى الى لبنان بعد تفجير المرفأ، حيث أشار الى أنّ لبنان مصيره الزوال إن لم يقم الحكّام بالإصلاحات المطلوبة، في سبيل الحصول على دعم الدول المانحة والمؤسسات المالية الدولية. ولكنّ المسؤولين في لبنان لم يقوموا بأية إصلاحات من شأنها أن تعيد الثقة بالبلد وتشجّع المجتمع الدولي على دعمه ومساعدته، وبدل أن تتحسن الأمور عبر معالجة جدّية من قِبل المسؤولين، نرى الأوضاع تزداد سوءاً وتفاقماً، والأمل بالوصول الى حلول لمشاكلنا وأزماتنا لم يعد موجوداً، وهذا ما أدّى الى فقدان الثقة بالوطن بصورة كاملة داخلياً وخارجياً.
 
 
أمام هذا الواقع الواضح للجميع، والذي يعيشه اللبنانيون بكل تفاصيله، يقول لي العقل، إنّ لا أمل بلبنان بعد الآن، فالمسؤولون لا يهمّهم سوى مصالحهم الذاتية، والشعب، في ظلّ النظام الطائفي المتحكّم بمفاصل الدولة، والذي يصعب إن لم يكن يستحيل التخلّص منه، سينتخب مجدداً هؤلاء المسؤولين أنفسهم أو أولادهم أو من ينوب عنهم. فالأمل بالخروج من هذا المأزق مفقود كلياً، وأي تحليل عقلاني لا يمكن إلّا أن يوصلنا الى هذه النتيجة السلبية.
 
 
وفي الوقت الذي أجد فيه عقلي يحلّل منطقياً، ويقنعني بأنّ لبنان قد انتهى ولا يمكن أن يخرج من الوضع المأساوي الذي هو فيه الآن، أرى قلبي في المقلب الآخر من هذه التحاليل. فالذاكرة تعود بي الى ما تعلّمته أيام الدراسة عن لبنان بأنّه بلد الإبداع والتفوق، وكيف أنّه تجاوز أزمات أصعب بكثير من تلك التي نعيشها حالياً، من احتلال عثماني دام أربعة قرون وتخلّصنا منه، الى حربين عالميتين ومجاعة فتّاكة وخضوع لحكم فرنسي، بالإضافة الى ما عايشته شخصياً من حروب أهلية مدمّرة وظروف قاسية.
 
 
يذهب بي القلب الى لبنان بلد الحضارة والثقافة، لبنان بلد الجمال الطبيعي، لبنان المذكور في الكتاب المقدس 71 مرة، لبنان الذي يزيد عمره عن ستة آلاف سنة، لبنان بلد الإشعاع والنور، لبنان الذي غزا العالم بمغتربيه الذين برعوا في مجالات التجارة والطب والعلوم والذين تبوؤا مراكز سياسية وقيادية عالية جداً في بلاد الإغتراب، هل يمكن لهذا اللبنان أن يزول وينتهي؟
 
 
بالرغم من التحليل الموضوعي لاستحالة الخروج من أزماتنا المعقّدة في الظروف السائدة، أرى قلبي يجذبني نحو لبنان الذي خدمتُ في إدارته أكثر من أربعة عقود من الزمن في شتى أنحاء العالم، مدافعاً باستماتة عن حكوماته المتتالية ومظهراً للمغتربين اللبنانيين المنتشرين في أصقاع العالم جمال وطنهم الأم ومشجعاً إيّاهم على دعمه وزيارته والإستثمار فيه، ومركزاً دائماً على أهمية لبنان كمركز للحوار بين الحضارات وكبلد تعددي فريد من نوعه، لدرجة أنّ البابا القديس يوحنا بولس الثاني وصفه بأنّه أكثر من دولة بل هو رسالة. فهل يمكن لعقلي أن يقنع قلبي بأنّ هذا اللبنان الذي أعشق ذاهب الى زوال؟
 
 
كلا ثم كلا. لبنان لن يزول ولبنان لن ينتهي! يقول لي القلب - خلافاً لما يقوله العقل - إنّ الذي سيزول هو هذه الطبقة السياسية الفاسدة التي أوصلت لبنان الى الإنهيار. ويقول لي أيضاً إنّ الشعب الذي تمّ قهره وإفقاره وتهجيره، سينتفض من جديد، متجاوزاً الإعتبارات الطائفية والمذهبية ليؤسس وطناً مدنياً يتميز بفصل الدين عن الدولة، مع إحترام تام لجميع الطوائف ومساواة بين جميع المواطنين، في جو من حرّية التعبير، ومتمسكاً بعروبته الأصيلة مع احتفاظه بالقومية اللبنانية التي ينادي بها ويدعو لها الدكتور فيليب سالم في العديد من كتاباته.
 
 
فالقلب الذي نبض حباً للبنان طيلة 75 عاماً لن يغيّر مساره، ومهما حاول العقل والتحليل المنطقي إقناعه بقرب زوال الوطن الحبيب، فإنّ ذلك لن يجدي نفعاً. لديّ قناعة فطرية راسخة بأنّ لبنان سينتصر وسيخرج من هذه الظروف القاسية، وإن تطلّب ذلك طبعاً بعض الوقت، ولكن لا محال سيصل الى شاطئ الأمان، ومع أني لا أحب كثيراً تشبيه لبنان بطائر الفينيق الذي يخرج من الرماد ليطير مجدداً، إلّا أني أرى لبناننا الحبيب عائداً الى سابق عهده من الرقي والإزدهار، ليحتل من جديد مكانه بين الدول الراقية، وليستعيد مكانته المتقدمة في العالم.
 
 
قضيت حياتي أصغي الى توجيهات عقلي، وأقتنع بتحليلاته المنطقية وأعمل بموجبها من دون تردّد، ولكن في ما يتعلق بمصير وبمستقبل لبنان، فلن أصغي إلّا لما تنبئ به نبضات قلبي المفعم بالحب لهذا اللبنان الذي ولدت وترعرعت فيه وأخذته معي أينما حللت في بلاد الله الواسعة من أقصى الغرب الى أقصى الشرق ومن أقصى الشمال الى أقصى الجنوب.
 
 
لبنان باقٍ، باقٍ، باقٍ، شاء العقل أم أبى.
 
 
 
 
المصدر: الجمهورية