لبنان في العالم
تيه اللبنانيين على دروب المزارات والأضرحة والسوبرماركت

محمد أبي سمرا

الأربعاء 13 كانون الثاني 2021

بماذا تختلف في ما بينها المشاهد التالية؟
 
المشهد الأول
ميشال عون جالس وسط ديكور القصر الجمهوري المعتاد، وإلى جانبه حسان دياب، ويقول له: "لا تأليف. عم يقول (أي سعد الحريري) عطاني ورقة. عم يكذب. عمل تصريح كذب، وغاب. ليك حظهم للبنانيين. وهلأتنييّ راح ع تركيا".
 
المشهد الثاني
سعد الحريري يكلّف شخصاً ما تقليب صفحات التوراة والإنجيل والقرآن، وسواها من الكتب والأسفار الدينية والتراثية، ليستخرج منها رداً مناسباً على ميشال عون. وقرّ الرأي أخيراً على الرد التالي: "إن الحكمة لا تلجُ النفسَ الساعية بالمكر، ولا تحلُّ في الجسد المسترقّ للحظة، لأن روح التأديب القدوس يهرب من الغش، ويتحول عن الأفكار السّفيهة، وينهزم إذا حضر الإثم".
 
المشهد الثالث
حسن نصرالله يظهر على شاشات محطات تلفزيونية قبل أسبوع، فيهدد ويتوعد ويغدق الوعود بجنته، جنة الصواريخ والشهداء.
 
المشهد الرابع
عشرات رجال ونساء يزدحمون في هيئة منكوبين خلف واجهة محل حلويات شعبي في محلة الطريق الجديدة. بالمناكب يتزاحمون، وفي خشوع هلِع مطأطئي الرؤوس ينتظرون بفارغ صبر المؤمنين، زوار الأضرحة والمقامات والأولياء، حصولهم على ما يقدّره الله لهم من كيلوغرامات المعمول مد بقشطة وجوز وتمر، ومن الشعيبيات والنّمورة والصفوف. فيكتب أحدهم معلقاً على مشهدهم هذا على صفحته الفيسبوكية "مقام السيد صفصوف - مدد بقشطة".
 
المشهد الخامس
حشدٌ من الناس من الجنسين، والطبقات والأعمار والقيافة والزّي وأشكال الوقوف والأذواق والمراتب والأخلاق والأعمال والهواجس والأفكار والهيئات والوجوه والحركات والأحلام والمخاوف والطوائف والبيئات والأحياء والأمنيات والرغبات والشهوات... على اختلافها، يصطفون متقاطرين صفاً طويلاً، وهادئين صابرين صبر المبتهلين في انتظار دخولهم إلى "جنة السلع واستهلاك الوفرة والرفاه"، لئلا تفرغَ تلك الجنة من ما توفِّره من سلع الملذات المعبودة.
 
 
امرأة محجبة بوشاح أبيض، تتنقل على الرصيف جيئةً وذهاباً، فتستعرض بنظرتها الغاضبة اللائمة حشدَ المصطفين الواجمين وجوم المعزِّين بالراحل الفقيد في سرادق العزاء. وتروح المرأة ترفع صوتها الغاضب في تقريع المصطفين. وفي استفزازٍ تخاطب فيهم شرفهم وكرامتهم، كي يغضبوا غضبتها وينتفضوا انتفاضتها على من أذلّهم وأهانهم وجوّعهم وظلمهم.
 
لكن المصطفين الهادئين الواجمين يظلون على هدوئهم ووجومهم، كأنما على رؤوسهم الطير. بل أن كثرة منهم - وخصوصاً بعض النساء المترفات ترف البوتوكس وصالونات التزيين النسائية - ترمين امرأة الوشاح الأبيض بنظرة مشمئزة اشمئزاز الأنيقات المترفات المتعاليات، بالوضيعات المهانات الفاقدات الأنوثة والتهذيب واللياقة، المفقرات في الأحياء الشعبية. وفي نظرتهن هذه تتشفّى نساء الترف من امرأة الوشاح الأبيض التي انحطت بها الأقدار والدهر والحظ، فرمتها خارج صفِّهن الأنيق اللطيف المهذب، لتصبَّ عليهن غضبها منهن وحسدها إياهن وأحقادها عليهن، هنّ الساعيات سعي الجياع إلى جنة أحلامهن وسلعهن البّراقة المعبودة في السوبرماركت.
 
وتنصرف امرأة الوشاح الأبيض عن الحشد المصطف، ثم تروح تصبُّ غضبها على الزعماء السياسيين، فتقول أخيراً إنها لا بد أن تقتل واحداً منهم في يوم من الأيام.
 
المشهد السادس
في داخل السوبرماركت حشد بشري فوضوي هائل، كفوضى يوم الحشر. وهو تماماً كالمشهد الذي أبصرتُه في شارع يوم "زلزلت الأرض زلزالها" في 4 آب 2020: بشرٌ من الأعمار كلها في السيارات، على دراجات نارية، وراكضين في الاتجاهات كلها، هلعين مولولين صارخين متطايرين في الاتجاهات كلها، فارين الفرار الأخير بثياب النوم والخروج، بوجوه وأبصار يتخاطفها الذهول: خلفهم ذهول وعلى جنباتهم، وفوقهم في سماء القصدير والدخان الواطئة، وفي جدار الأفق أمامهم.
 
وفي مشهد يوم الحشر في السوبرماركت، تنهال من رفوف جنة السلع المعلبة أصنافها ونسخها وفيرة في عربات يدفعها أمامهم وخلفهم وعلى جنباتهم وفي الاتجاهات كلها بشرٌ لولائم صيامهم الدهري، في زمن تكاثر اللغط عن أيام جوع مقبل كوعد بمثل يوم الحشر هذا وذاك.
 
نعم يشبه مشهد السوبرماركت شبهاً تاماً ذاك المشهد يوم "زلزلت الأرض زلزالها" مساء 4 آب.
 
المشهد السابع
حمد حسن يقول إن بعضاً من أعضاء "لجنة كورونا"، رفضوا اقتراحه بإقفال البلاد العام التام في موسم أعياد الميلاد ورأس السنة المنصرمة. واتهموه بأن اقتراحه مع زميلٍ له، يصدر عن مشاعر طائفية مبيّتة، تبغي حرمان المسيحيين من الاحتفال بأعيادهم.
 
وقد يكون هذا هو السبب الضمني لتدفق جموع الناس، وخصوصاً من الشابات والشبان، على مراكز فحوص كورونا، للتأكد من عدم إصابتهم بالفيروس الوبائي، كي يسهروا سهرتهم الموعودة في المطاعم والملاهي والمراقص مطمئنين. فيبلون فيها بلاءً حسناً في متعتهم النضالية المقدسة التي قد تحرمهم منها القرارات الطائفية الجائرة.
 
المشهد الثامن
وهل يعقل نسيان جبران باسيل في إطلالته التلفزيونية الأحدية الهذيانية الأخيرة؟! أفلا يفصح هذيانه الطويل من أوله إلى آخره عن ذاك العمل النضالي المقدس الذي ربما انطوت عليه إرادة الاحتفال والسهر في الأعياد؟ أوليس جبران باسيل حامل صلبان الجمهورية عن عمّه المتعب من حمل صلبانها منذ راح رفيق الحريري يعمل على تدميرها بدءاً من سنة 1990 وحتى عودة الجنرال المخلص إلى بيروت سنة 2005؟
 
المشهد الختامي
نعم، ليست هذه المشاهد إلا غيض أو نزر قليل من فيض ما يشهده ويعيشه بشر لبنان في هذه الأيام المعتمة: هستيريا هذيانية على الغارب، كالمصابين بلوثة ترميهم على دروب المزارات والأضرحة والمقامات والأولياء. بشرٌ من أهل المسّ والذِكر والشطح والغيبوبة والكرامات والتصوف والانجذاب والأضاحي والنذور، في أزمنة التيه وانقلاب الأحوال.
 
تماماً كمثل "هستيريا بلدة (مصرية: بنها) في أوائل القرن التاسع عشر (نشأت وتحلقت حول) الشيخ سليمان البنهاوي"، حسبما  روى خبرها الشيخ عبد الرحمن الجبرتي في كتابه "تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، وتوسع وضاح شرارة في شرح وتحليل الخبر عن الشيخ البنهاوي، في العدد 20 من "أبواب": "فلما جَلَتْ القوات الفرنسية عن مصر صيف 1801، تركت إدارتها الصورية بين أيدي رجال الدين الأزهريين (...) في انتظار عودة أهل القوة الأتراك (...). وعاد الأتراك عصبيات مملوكية كثيرة وجيشاً عثمانياً متنافراً، فيه الترك والأرناؤوط والانكشارية والألبان. واقتطعت كل جماعة من هذه الجماعات المتنافسة والمتناحرة جزءاً من السلطان (...) فاستعملت عائده في تقوية نفسها وإضعاف خصومها".
 
ألسنا اليوم في لبنان على مثل هذه الحال؟
 
ويصف شرارة ما يسميه "مبنى الهسترة" (أي الهستيريا) التي أصابت المصريين حينذاك، على نحو ننقله هنا ببعض التصرف: إذا عَدِمتْ الجماعات مباني ثقافة مشتركة تبتُّ أحكامَ العمل والقول، تنقلب الأحوال بالبشر والناس، فتنقسم نفوسهم أو تنشطر. ويستبد بهم وبها الشقاق والمنازعة اللذين يرهقانهم ويرهقان نفوسهم المشطورة المنقسمة. لذا تمتنع عليهم مسالك العبارة امتناع إسنادها إلى مثال أو تقليد متعاليين مشتركين، يسوغان الفعلَ ويرفعان من قدره ويرعيان تناقله وتأويله وفهمه. وهكذا يُحبَط صاحب الفعل وينحط إلى رتبة يراها أدنى من رتبته. فيسْلِمُهُ هذا كله إلى الانفعال والخرس، وإلى الانفعال الأخرس. وهذه هي حال المصابين بالهستيريا على المثال الفرويدي.
 
 
 
 
المصدر: المدن