فكر حر
فاطمة النمر سعودية تصنع معادلة للتراث والمعاصرة من موقع التمرد

العرب اللندنية

الإثنين 11 كانون الثاني 2021

لا بأس في أن يقوم الرسام برسم صورة شخصية لنفسه. سيكون ذلك أشبه بالاعتراف. حينها ينظر الرسام إلى وجهه بطريقة مختلفة كما لو أنه لم يره من قبل. من المؤكد أن رسم وجوه الآخرين أكثر يسرا من أن يقوم الشخص برسم وجهه. عليه أن يتعرف عليه من جديد باعتباره وجه شخص آخر. 
 
الرسامة السعودية فاطمة النمر لا تكتفي برسم صورة شخصية. صورها الشخصية هي بمثابة مدخل إلى العالم الذي تود أن يلتحم المتلقي بتفاصيله الداخلية. 
 
حين يُلحق العالم بالمرأة
 
 
ليست المرأة التي ترسمها النمر امرأة كل يوم. هناك طابع أسطوري يحيط بها بالرغم من عدم وجود أي شيء يوحي بالغرابة، عدا تلك العلاقات التي تقيمها الفنانة بين ما هو مرئي وما يمكن استحضاره من أفكار تنبعث من مفردات اللوحة التي هي جزء من الحياة اليومية. 
 
 
ترسم الوجه، غير أن ذلك الوجه ممتلئ بكل ما يدعو إلى التفكير التأملي. وحين يختفي جزء من الوجه، تتحقق صدمة من نوع مختلف. هو ذلك النوع الذي يفسر رغبة الرسامة في مطاردة نسائها في مختلف حالاتهن. 
 
ليست المرأة هنا كيانا جماليّا يُحاط بالغزل. هي تاريخها المشتبك بالأشياء الجميلة التي تحيط بها من كل جانب وتقيم علاقة جدلية معها. معادلة المرأة والعالم تتغير من لوحة إلى أخرى. 
 
أحيانا تكون المرأة هي العالم، وأحيانا أخرى يتكامل الطرفان في ما بينهما، غير أن ما تحرص عليه الفنانة هو ألّا تكون المرأة جزءا خفيا من العالم. إنها أكبر من أن تكون جزءا فهي مصدر الحياة. 
 
ترسم النمر المرأة كما يرسم الآخرون الحقول الشاسعة. المرأة بالنسبة إليها هي كل ما يمكن أن يُرى لكي يكون العالم موجودا. بمعنى أن الفنانة تتحقق من وجود العالم من خلال صورة المرأة. 
 
لذلك يمكن القول إن علاقة مقلوبة تتمكن الرسامة من إقامتها ليكون العالم تابعا للمرأة. وهي إذ ترفض أن تكون المرأة قضية، فإنها لا تقف ضد ذلك الكيان المتفرد الذي تمثله المرأة. 
 
وفي كل الأحوال، فإن المدخل الجمالي سيكون مناسبا للانتقال إلى عالم معرفي هو الذي تنفتح عليه الفنانة لتتعرف من خلاله على مفرداتها التي تستعيرها من الواقع. 
 
جوهرتها الشخصية
 
ولدت في القطيف بالمنطقة الشرقية، ودرست الرسم في دورات فنية خاصة. في أولى تلك الدورات تعلمت المبادئ الأولية في نادي الفنون على يد المصرية سهير جوهري، ومن ثم درست العلاج عن طريق الفن في دبي، والتصوير الرقمي، وأخيرا تصميم المجوهرات وهو الفن الذي اختارته مهنة لها.
 
أقامت النمر ستة معارض داخل المملكة وخارجها، منها “الحب الأزلي” في العاصمة الأردنية عمّان و”شفرة المقام” و”كيان” في مدينة الخبر و”بقاء” في مدينة جدة، كما أقامت معرضا بعنوان “ريحانة” في البحرين. 
 
منذ البدء كانت عيناها مصوبتان في اتجاه التراث الجمالي الذي سحرتها مفرداته، وفي الوقت نفسه أدهشتها قوة تماسكه وقدرته على مقاومة الزمن وتأثيره على الجمهور العريض من مختلف الأجيال، ذلك ما دفعها إلى تأمل محيطها ومحاولة استيعاب التفاصيل الصغيرة التي تتألف منها الأشياء الاستعمالية التي تمتاز بطابع جمالي. فكان السجاد بمثابة الكنز الذي انفتح أمامها لتدخل من خلاله إلى عالم غني بالإشارات الملهمة. فقررت أن تبدأ مغامرتها بالسجاد، لا باعتباره خلفية للمشاهد التي ترغب في رسمها عليه، بل لكي تحتويه وتشبك رؤاها به وتدخل إلى أعماقه وتبعث حيوية جمالية مختلفة في مفرداته. 
 
كانت تلك فكرة تقنية ليس إلّا. قد يكون تنفيذها هو أكثر مراحل العمل الفني يسرا بالرغم من أنه يستغرق وقتا طويلا. أما الجانب الأكثر تعقيدا فإنه يتعلق بالكيفية التي تستطيع من خلالها الفنانة أن تحول أفكارها الذهنية إلى صور. وحين اكتشفت “المرأة” باعتبارها وسيطا بينها وبين وعيها الداخلي وبينها وبين العالم الخارجي، كانت قد بذلت جهدا كبيرا في دراسة تاريخها النفسي ومدى تأثرها بصورتها الشخصية. 
 
ما حققته النمر في ذلك الجانب كان هو الشيء الأهم في العملية كلها. لقد اكتشفت نفسها واكتشفت المرأة وهي تقيم صلة جوهرية بالتراث كما لو أنها كانت حارسة عليه. 
 
لم ترسم على السجاد إلا من أجل أن تخلق عالما تؤكد من خلاله إمكانية تعايش التضادات، وهو ما يؤكد نجاح المعادلة التي طرفاها التراث والمعاصرة. فهي لم ترسم المرأة لتزين بها السجادة بل لتواجه التراث بسؤال المعاصرة المتمرد. ذلك لأنها لم ترسم كائنات سكونية مستسلمة لقدرها الجمالي، بل رسمت كائنات متمردة معترضة على إلحاقها بالماضي. 
 
بين الصورة وفضائها
 
في وقت ما شعر الرسامون أن الفوتوغراف يشكل خطرا على الرسم، غير أنهم تجاوزوا تلك العقبة عن طريق تحررهم من الواقع. في وقت لاحق، استعاد الرسم علاقته بالفوتوغراف عن طريق الواقعية المفرطة. 
 
النمر تستند على الفوتوغراف في تنفيذ صورها التي تبدأ بالعمل عليها بمواد مختلفة لكي تحقق استقلالها. لذلك يريحها الحجم الكبير للوحة، فمن خلاله تستطيع العمل بحرية دون أن يربكها حضور الصورة. 
 
سيكون عليها أن تسيطر على أمرين؛ أولا العمل داخل الصورة التي تبنيها والتي هي مزيج بين أسلوبين، واقعي وتجريدي، لا يكتمل العمل إلا من خلال امتزاجهما. وثانيا، إقامة صلة عضوية بين الصورة وبين السجادة لكي لا تبدو الصورة كما لو أنها ألقيت جزافا على السجادة. 
 
مهمتان تمارسهما في الوقت نفسه وهي تتخيل مصير عملها. والعلاقة التي تقيمها وهي تنجز المهمتين إنما تتمحور حول الثابت والمتحرك. وما المتحرك سوى المواد المختلفة التي صارت الفنانة تجيد استعمالها، الأمر الذي وهبها سمة الدخول بفنها إلى عالم الفنون المعاصرة. ويمكن اعتبار أعمالها الحالية مقدمة لاختراق عالم ما بعد الحداثة. 
 
المتمردة وقد تغير العالم
 
ينطوي فن النمر عل مغامرة قد تكون مريحة في حدود ما أنجزته الفنانة حتى الآن. فهي مريحة للمتلقين الذين يبحثون عن طريقة حديثة في النظر إلى التراث. طريقة لا تقلق ولا تسبب إرباكا وهو ما يستدعي تأملا سلبيا. أي أن يكون المتلقي في معزل عن الأسئلة التي سبق للفنانة وأن طرحتها، وهي أسئلة تتعلق بحرية المرأة.
 
لقد رسمت نساء بأعين معصوبة وأفواه مغلقة، وهي في ذلك إنما تعبر عن احتجاج لن يبقى طويلا في الظل. إنه جزء من نشاط المرأة الذي بدأ يتخذ طابعا ثوريا في المملكة. وكما تصرح الرسامة، فإن المرأة كانت أول المستفيدين من التحولات الثورية التي شهدتها المملكة. لقد انتقلت من فضائها الخاص إلى الفضاء العام لتشارك في صنع الحياة بطريقة سوية. ذلك حدث لن يكون استثنائيا بعد سنوات. وهو ما يعني أن مغامرتها في الفن قد وجدت مسارها الاجتماعي الصحيح، أخيرا. 
 
كانت مهتمة بتوثيق ما جرى من وقائع جمالية لكن بطريقة مشاكسة، غير أنها اليوم لن تجد في ظل التحولات الانقلابية حرجا في أن توسع المنطقة التي كانت تتحرك فيها لتضمن لريادتها حرية التطور في عالم يتغير. ما لم تفعله الفنانة في أوقات سابقة ستفعله بترف وسيكون مستقبل رسومها مضمونا. فاطمة النمر هي واحدة من بناة رخاء جمالي متمرد.
 
 
 
 
المصدر: العرب اللندنية