فكر حر
راضية النصراوي صاحبة الضمير التونسي الناصع

لبنى الحرباوي

الثلاثاء 17 كانون لأول 2019

قبل أسبوعين تحدث حمة الهمامي على أمواج إذاعة موزاييك الخاصة ليعلن بحرقة أن زوجته راضية النصراوي مريضة ومريضة جدا. وكشف أن زوجته تعاني من متاعب صحية وأنّ أعراض المرض بدأت تظهر عليها منذ سنة ونصف السنة، وأنّ عائلته تعيش كابوسا منذ ذلك الحين، مشيرا إلى أنّها تعاني من مرض مركّب وتشكو من آلام على مستوى الرأس من مخلفات ما تعرضت له من تعنيف.

وأضاف الهمامي أنّ زوجته تعاني أيضا من ”الغدة الدرقية التي تسبّبت لها في انهيار عصبي واكتئاب، إضافة إلى ارتفاع نسبة سائل المخ عن المعدل العادي ما جعلها تعاني من بطء في الحركة ”، لكن الإطار الطبي المباشر لحالتها استبعد استبعادا كليا أن تكون زوجته تعاني من ”الخرف”، وفق تأكيده.

في يوم قائظ من أيام أغسطس عام 2008، حين أشارت الساعة إلى الثالثة ظهرا، كانت النصراوي تعتصم منذ الساعة التاسعة صباحا أمام باب سجن في محافظة قفصة لمقابلة أحد السجناء السياسيين. مرّت ساعتان بعدها، وجاءت التعليمات بالسماح للنصراوي بزيارة السجين الذي وقف أمام مكتب زيارة المحامي. أدخلوا تلك النحيفة التي تكاد حقيبتها تهزمها، وكانت تحمل في يدها اليمنى قطعة خبز وفي الأخرى قطعة جبن.

يروي ذلك السجين الذي كان اسمه عبيد خليفي، الحادثة فيقول “خالطتني بالسلام والأحضان. ضحكت كثيرا لمشهد راضية وهي تلتهم الخبز والجبن وتجادلني في القضية وتمنحني أخبار المساندة. حديثها مقطّع بين الأكل والماء والمساندة والتفاؤل.. قالت إنها نسيت أن تأكل منذ الرابعة صباحا حين غادرت العاصمة نحو قفصة”.

وحين عينت جلسة لمحاكمة خليفي، حضر أكثر من مئة وخمسين محاميا. كانت النصراوي أول المترافعين. عندما بدأت الكلام بصوتها الرقيق هدأت الأصوات في القاعة. بدت مرافعتها كمحاضرة في أصول التعذيب الجسدي والنفسي، وعن دلالات الصفع على الأذن اليسرى. كانت تصرخ أن “النظام يريدنا أن نسمع باليمين فقط، وأن الضرب على الأعضاء التناسلية محاولة لقطع خصوبة المناضلين والنضال، هو ضرب لرجولة شرقية متخلفة”.

فصّلت حديثا عذبا موجعا، ومن خلفها وقف الراحل شكري بلعيد، الذي اغتيل يوم 6 فبراير 2013 يتمتم “اللعنة. من أين تأتي بهذا الكلام؟”. أعاد خليفي سرد نص المرافعة التي حفظها عن ظهر قلب، وبمجرد عودته إلى الغرفة السجنية بعد صدور الحكم خطها في كراساته ليحفظ لنساء بلاده مجدهن.


تحت الرقابة

المصادر تقول إن النصراوي مريضة بالزهايمر وأنها ستنسى كل شيء

تقول رواية أمنية موثوقة إن سيارة الشرطة تكاد لا تفارق مدخل منزل راضية. حينها كان زوجها الهمامي “يحترف السياسة سرا” زمن بن علي، ثم تخرج راضية معلنة أنها حامل. لكن كيف لم تغب عن أعيننا لحظة؟ كانت طريقة من طرقها الألف لمقاومة الاستبداد. يقول من يعرفها إنها أنجبت بناتها بذات الطريقة.

وتعد النصراوي من أبرز نشطاء حقوق الإنسان في تونس أيام بورقيبة وبن علي، وهي التي تخصصت في مجال مقاومة التعذيب. ولدت يوم 21 نوفمبر 1953، في مدينة تاجروين من محافظة الكاف، كان والدها مناضلا صلب الحركة الوطنية وكان أول مؤسس لشعبة دستورية في مدينة تالة من محافظة القصرين. وبعد إعلان الاستقلال قرّر الأب الابتعاد عن السياسة، فأصبح معلما ومن ثم مدير مدرسة.

بدأت في تلقي تعليمها في سن الرابعة، وتحصّلت على شهادة الباكالوريا في سن الـ16 عاما، ثم توجهت للجامعة حيث تخصّصت في دراسة الحقوق وتحصلت على الأستاذية في الحقوق وفي علوم الإخبار. وعند تخرجها، سجّلت نفسها في شهادة الكفاءة في مهنة المحاماة وعملت لمدة سنتين في وكالة تونس أفريقيا للأنباء إلى حين حصولها على شهادة المحاماة.

أطلقت النصراوي حملتها للدفاع عن حقوق الإنسان في السبعينات من القرن الماضي عندما تم التصدّي لمظاهرات الطلّاب والعمّال التي خرجت إلى الشارع. دافعت كحقوقية عن الطلاب المحتجزين. وعلى خلفية أحداث ما أطلق عليه الخميس الأسود، وهو إضراب عام في تونس تم التصدي له بدموية وأدى إلى سقوط الكثير من القتلى، بدأت النصراوي العمل بمفردها.

ومن جراء نشاطها كانت هدفا لمضايقات الشرطة وللتهديدات والهجمات على مقرّ عملها. وقدمت اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة التابعة للأمم المتحدة تقريرها، وجاء فيه “في الثاني عشر من فبراير 1998 تعرضت النصراوي للسطو على مكتبها وسرقة أغلب ملفاتها كما أن منزلها تحت المراقبة وقُطعت عنها وسائل الاتصال. بالإضافة إلى ذلك فإنّ فتياتها تحت خطر الاعتداء في أي وقت. في الثامن من مايو 2001 وخلال عودتها من باريس تمّ إيقافها في مطار تونس ومصادرة جميع ما تحمل من وثائق من بينها مقالات عن القمع الذي يحصل في تونس. في أغسطس تمّ تخريب سيارتها وتعرضت هي وبناتها إلى المضايقات المستمرة وتفاقم الأمر مع بداية يناير 2002”.

دخلت في إضراب عن الطعام بين 15 من أكتوبر و10 من ديسمبر 2003 احتجاجا على اقتحام مكتبها وإرهاب عائلتها ولتطالب بتطبيق العدالة بعد التعذيب الذي تمّ ممارسته في يوليو وأنهت الإضراب يوم الاحتفال بالذكرى الخامسة والخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.


عدوان على الجسد

لم تكتف السلطات بمحاولة الزج بالنصراوي في السجن، بل عمدت إلى الاعتداء عليها جسديا عدة مرات وكانت بعض الاعتداءات خطيرة جدا وكانت لها تداعيات على حالتها الصحية اليوم. ويتحدث الهمامي عن تلك الحادثة قائلا إنه كان مع زوجته وابنتيه عندما تمت محاصرتهم من قبل 4 أو 5 أشخاص وقام مسؤول في أمن الدولة بمطالبة عون أمن بضرب راضية بواسطة “ماتراك” على رأسها الأمر الذي خلّف آثارا ظهرت لاحقا.

وقبل ذلك، تعرّضت النصراوي لاعتداء عنيف، عندما أسست المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب وذلك خلال توجهها مع بقية المؤسسين، إلى مقر ولاية تونس لتسجيل المنظمة إلا أنهم وجدوا رجال الشرطة الذين قاموا بالاعتداء على النصراوي بشدة، وقاموا بمسكها من يديها وساقيها ونقلها من أمام مقر الولاية إلى شارع محمد الخامس وهم يضربونها ويخبرون الناس في المقاهي بأنها امرأة مجنونة، رغم أنها كانت آنذاك تبلغ من العمر 50 سنة وتعمل محامية في التعقيب.

نزيف الاعتداءات لم يتوقف هنا، فقد تقرّر ذات يوم تنظيم تجمع من أجل الحريات أمام تمثال ابن خلدون في العاصمة، إلا أن الأمن اعترض المنظمين، وهاجم حوالي 60 أمنيا النصراوي وزوجها، وتم جرهما إلى نهج الشام حيث وقع ضرب رأسها على حائط.

استمر التعرض للنصراوي بالقمع من قبل الحكومة وذلك إلى حين ثورة 2011 التي سقط على إثرها نظام بن علي. خلال هذه الفترة عُرفت النصراوي كمحامية وناشطة في مجال مناهضة التعذيب وكونها أشهر زعيمة رأي تونسية. واستمرت بعد الثورة في الدفاع عن السجناء ومناهضة التعذيب، كما أنها عضو لجنة رعاية محكمة روسل حول فلسطين.

أما اليوم، فتقول المصادر أن النصراوي مريضة بالزهايمر وأنها ستنسى كل شيء ستنسى حمة وتنسى بن علي وتنسى السرية والهرسلة وعنف البوليس.. لن تتذكر راضية شيئا.


كابوس جديد

تؤكد بنفسها أنه لم يتحقق أي مكسب للثورة التونسية

تعرف المحاكم التونسية صوت راضية نصراوي جيدا وقد رافعت في جميع القضايا السياسية دون اعتبار لهوية الضحية السياسية ودون مقابل. كما رافعت في القضايا الاجتماعية دون مقابل أيضا. كانت راضية دائما هناك حيث يوجد الظلم دون حسابات.

لقد حافظت راضية النصراوي، المرأة الرمز والمدافعة الشرسة بلا هوادة عن الحق والمنتصرة الشرسة للمظلومين، على نفس الوتيرة في خطابها الهادئ والعقلاني الوازن بعيدا عن الانفعالية.

كانت ولا تزال مثالا للالتزام السياسي والحقوقي وبذلك خطت لنفسها مسلكا فريدا ومقاما ساميا. لكن الثورة لم تمنح النصراوي أي مكاسب وقد أكدت بنفسها أنه لم يتحقق أي مكسب من مكاسب الثورة التونسية، وأضافت أن التعذيب في السجون ما زال متواصلا حتى الآن على غرار البطالة وارتفاع الأسعار. كانت قد ترأست أثناء انتخابات المجلس الوطني التأسيسي قائمة حزب العمال الشيوعي التونسي “البديل الثوري” في دائرة تونس 2، إلا أنها لم تتحصل إلا على 1.25 بالمئة من الأصوات. ورغم أنها لطالما اعتبرت أن التعذيب هو شكل من أشكال الإرهاب وجريمة تمارس بسبب الإفلات من العقاب، فإن النتائج النهائية لانتخابات أعضاء الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب أثارت جدلا كبيرا واستنكارا من متتبعي الشأن السياسي في تونس حيث اعتبروا أن الولاءات والانتماءات السياسة لعبت دورا كبيرا.

ويرى العديدون أن استبعاد النصراوي التي كانت مرشحة لترؤس الهيئة كان بسوء نية ومقصودا، في حين تم انتخاب ضياء الدين مورو ابن نائب رئيس مجلس النواب  السابق، والقيادي في حركة النهضة الإسلامية، عبدالفتاح مورو رئيسا لها، وهو ما اعتبره كثيرون مؤشرا على أن هذه الهيئة متحزبة.

عبرت النصراوي عن تسامح كبير وسبق أن أكدت أن بن علي لو كان عاد إلى تونس و”اعترف بجرائمه واعتذر عنها” فإنها ستدافع عن حقه في محاكمة عادلة تحترم كرامته وحرمته الجسدية، شأنه شأن أي إنسان، موضحة أن حقوق الإنسان للجميع وأن احترام الكرامة للجميع وأكدت أنها “لن تسمح بأن يزج بإنسان في مثل سن بن علي في السجن”، مضيفة أنها لا تعادي الأمن ولا تكن للأمنيين أي حقد رغم ما حصل لها من اعتداءات.

وقد أدانت النصراوي مطالبة السجناء السياسيين وخاصة السجناء الإسلاميين في عهد بن علي بالتعويضات المادية. وقالت إن “نيلسون مانديلا قضى 27 سنة في السجن ولم يطالب يوما بالتعويض المادي”.

أنصف العالم النصراوي معترفا بقوتها إذ اُختيرت ضمن اللائحة القصيرة للمرشحين لجائزة نوبل للسلام 2011. وتحصلت على جائزة أولف بالمه لحقوق الإنسان 2013، وجائزة رولون برڨر، وجائزة كمال جمبلاط وجائزة خوزنبينينغ الهولندية، وقد حازت دكتوراه فخرية مرتين في حياتها. كما انتخبت عضوا خبيرا في لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، وقد تمّ هذا الانتخاب بـ62 صوتا من جملة 70.



المصدر: العرب اللندنية