فكر حر
الشيخة مي آل خليفة امرأة خُلقت من أجل الحقيقة

فاروق يوسف

الخميس 23 أيار 2019

مي آل خليفة تصنع واقعا تجريبيا وتراقب أثره على المجتمع، ولأنها تؤمن بالثقافة فإنها تضع نفسها في الخط الأول من جبهات الدفاع عن الحرية باعتبارها هدفا لحياتها.

سيكون من الصعب الفصل بين شخصياتها التي تملك الوجه المتمرد نفسه. ما يعينها على مواجهة المرآة التي يستعملها الآخرون أنها لا تضع قناعا في كل مناسبة تظهر من خلالها. فالكاتبة والمؤرخة والوزيرة والناشطة الحداثوية كانت ولا تزال في أساس تجربتها محاربة تؤدي دورا تاريخيا في الدفاع عن طريقة تفكيرها التي وإن انطوت على جانب شخصي فإنها تعد انعكاسا لحراك ثقافي انغمست فيه عن طريق الوراثة.
قوس قزح خيالها

مي آل خليفة هي ابنة الكتب وحارستها التي لا تغمض عينيها عنها. الفارسة بالمفهوم الفرنسي يظل خيالها مستيقظا مع أصغر هبات حضارة دلمون بحثا عن صداها في الحياة الشعبية. فكرتها عن بلدها البحرين هي مزيج من القنص البصري والتأمل الفكري. ما تقوله الصورة يمكن أن تختزله الفكرة.

تشعر المرأة التي صنّفت في عداد النساء القويات في منطقة الشرق الأوسط أن قوتها هي القاطرة التي تذهب بخيال الصورة إلى معنى الفكرة. هذه امرأة خُلقت من أجل أن تهب أحلامها أقداما تمشي بها على أرض الواقع.

هي واقعية بقدر ما هي خيالية. لا يقلقها أن تكون كائنا إشكاليا. ليس لأنها مطمئنة إلى أن دفاعاتها محصّنة بل لأنها تثق بأن ما تنادي به وتدعو إليه يملك الكثير من الحظوة لدى جمهور واسع من المستفيدين من الحراك الثقافي القائم على أسس تنويرية.

هنا بالضبط تمتزج واقعيتها بقوس قزح خيالها متعدد الاحتمالات. المرأة التي ولدت في بيت علم شاءت ألا يفلت الخيط من يدها. فبغض النظر عن المبادرات الخلاقة التي تقوم بها من خلال مناصبها الرسمية فإن تأسيسها لمركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث بمدينة المحرق يعد خطوة كبيرة في طريق نشر الوعي الفكري الحديث.


تفتح أبوابا على الثقافة

بين ما هو شخصي وما هو عام تتحرك الشيخة مي لكي تفرض خياراتها التي لا تملك سوى أن تعلنها بدافع الرغبة في كسر الحاجز بين ما يمتلكه المرء من كرم شخصي وبين ما يمكن أن يجود به الآخرون بعد أن تفتح أمامهم الأبواب.

كان شعار الاستثمار في الثقافة مظلتها التي أمّنت لها التحرك كما لو أنها واحدة من منظمات المجتمع المدني، بالرغم من أنها تمتد بجذورها إلى الأسرة الحاكمة في البحرين.

لم يكن دور الوسيط يليق بها. لذلك فضلت أن تقوم بفتح بوابة على الثقافة الحيّة أينما حلت، بغض النظر عن صفتها الوظيفية، خارج الحكم وداخله. هي المرأة التي يليق بها أن تلعب دور البشارة ممتزجة بمَن يبشّر بها. تلك المرأة تُحب لأسباب تجريدية، تضحك حين تكتشف كم هي قادرة على السيطرة على الواقع والتمكن منه.

سيكون علينا أن نعترف أن الشيخة مي انتصرت في كل معاركها لا لأنها ابنة الحسب والنسب، بل لأنها تمتلك مشروعا حضاريا اندحرت أمامه أجندات الأصوليين الذين عجزوا عن رؤية البحرين كما هي، بلدا مقيما في تمرده الخلاق وشغبه الذي يضع العالم في دائرة المساءلة.

 


الباحثة عن الحقيقة

حين أصدر ملك البحرين عام 2008 مرسوما يقضي بتعيين الشيخة مي آل خليفة وزيرة للثقافة والإعلام بعد أن كانت تشغل منذ 2002 منصب وكيلة وزارة الإعلام المساعدة لشؤون الثقافة والتراث أصبحت أول امرأة تتقلد ذلك المنصب.

وكانت ناشطة في مجال الثقافة قبل أن تصبح وزيرة حيث قامت بالإشراف على بيوت فنية عديدة منها “بيت الشعر” و”بيت التراث الصحفي”، غير أن الحدث الأهم في ذلك المجال يتلخص في قيامها بتأسيس مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث الذي يضطلع بدور هام في تطوير الوعي الثقافي من خلال منشوراته والندوات والمعارض التي يقيمها دوريا.

المرأة التي درست التاريخ السياسي وحصلت على شهادة الماجستير من جامعة شيفيلد البريطانية كانت قد أصدرت سبعة كتب في مجال اختصاصها الأكاديمي قبل أن تنهمك في عملها القيادي في مجال الثقافة.


بدأت مسيرتها في التأليف عام 1993 بكتاب “مع شيخ الأدباء في البحرين، إبراهيم بن محمد آل خليفة” ثم توالت إصداراتها “محمد بن خليفة، الأسطورة والتاريخ الموازي” 1996، “سبزاباد ورجال الدولة البهية. قصة السيطرة البريطانية على الخليج” 1998، “من سواد الكوفة إلى البحرين. القرامطة من فكرة إلى دولة” 1999، “مئة عام من التعليم النظامي في البحرين، السنوات الأولى للتأسيس” 1999، “تشارلز بلغريف السيرة والمذكرات” 2000، “عبد بن أحمد، محارب لم يهدأ” 2002.

ولأنها مؤرخة من طراز خاص فقد كانت تتوجه إلى الموضوعات الإشكالية، موضع الاختلاف لكي تضع بصمتها من خلال قول الكلمة الفصل. وهي كلمة الباحثة التي لم تقنعها بداهة المتفق عليه فصارت تنقّب في خبايا المخفي عن الحقيقة.

حصلت الشيخة مي على عدد من الأوسمة والجوائز، منها وسام الشرف الفرنسي الوطني بدرجة فارس وجائزة مؤسسة كولبير لإبداع والتراث وجائزة المرأة العربية المتميزة في مجال القيادة الإدارية من مركز دراسات المرأة بباريس وجائزة السياحة الدولية في مجال الإبداع. وقد اختارتها مجلة فوربس من بين أقوى 50 شخصية في العالم العربي.

تشرف الشيخة مي الآن على إدارة هيئة الثقافة والتراث بعد أن ألغيت وزارة الثقافة والإعلام. وهي الوظيفة التي تقوم من خلالها بالإشراف على المتاحف والآثار والنشاطات الفنية “التشكيلية والمسرحية والشعرية”.



إشراقات خيالها

“كتبي تضيء الحقبات المسكوت عنها في تاريخ البحرين” تلك فكرتها غير أن تلك الفكرة وثيقة الصلة بميزانها البحثي وليس فقط بموضوعاتها التي ذهبت إليها بعزم مَن ترغب في تفكيك البداهات وإعادة كتابة التاريخ على أساس الإنصاف.

وإذا ما كان كتابها عن القرامطة مثيرا للاهتمام بسبب ارتباط تلك الحركة بفكر ثوري مغامر سعى إلى تغيير فلسفة الحكم الذي يكتسب أسباب سطوته من الدين، فإن ذلك الكتاب بالرغم من أهميته على مستوى البحث والتحليل لا يغطّي على أهمية كتبها الأخرى.

لقد حرصت آل خليفة في كل كتاب من كتبها على أن تستجيب لروح المؤرخة المشاغبة التي تحارب بالوثيقة ما كان مستقرا، كما لو أنها قررت أن تعيد كتابة الحكاية وهو قرار يرتبط بطريقتها في التفكير كما ينعكس على طريقتها في النظر إلى العالم.

تصنع أساطيرها، لكن بيقين تاريخي. إنها ابنة الواقع الذي ترتجله، وهي سيدته حين تتخلى عنه معلنة انحيازها لخيالها الذي لا يمكن التنبؤ بإشراقاته. فالسيدة التي خلخلت طريقة النظر السائدة إلى التاريخ قُدر لها أن تلعب دورا قياديا في إدارة المشهد الثقافي في بلد ثري بثقافته هو البحرين. لذلك فإنها تعمل مثلما تكتب. الشغب يرافقها أينما حلت. إنها تفعل الشيء نفسه، في الحياة كما في الكتابة.

التقيتها وزيرة غير أن الوزيرة لم تنتصر على الكاتبة ولم تخفها. هذه امرأة خُلقت من أجل الحقيقة. لذلك فإنها تجهد نفسها من أجل إعادة تركيب المفاهيم وطرق النظر إلى الأشياء. المؤرخة التي تسكنها تزيح من طريقها سبل الاستسلام لما فرضه الواقع من هدنة مع الأخطاء.

مي آل خليفة تصنع واقعا تجريبيا وتراقب أثره على المجتمع. ولأنها تؤمن بالثقافة فإنها تضع نفسها في الخط الأول من جبهات الدفاع عن الحرية باعتبارها هدفا لحياتها.




المصدر: العرب اللندنية