فكر حر
ليوناردو دافنشي سيد عصره والعصور اللاحقة

فاروق يوسف

الأربعاء 15 أيار 2019

دافنشي الرجل الذي وضع العلم في خدمة الفن كان له الفضل في التوصل إلى درس التشريح الذي لا يزال قائما حتى الآن حسب القوانين التي وضعها.

لا يزال لغزه قائما بالرغم من مضي خمسمئة سنة على وفاته عام 1519. وقفت إنجازاته الفنية والعلمية في موازاة إنجازات عصر النهضة الذي بدأ إيطاليا وبالضبط في فلورنسا فكانت عبقريته بمثابة التحول العظيم الذي شهده ذلك العصر في معنى وقيمة النظر إلى الإنسان.

ما لا يُعرف عنه بالنسبة للمعجبين بمآثره على المستوى الفني هو أكثر بكثير مما يعرفونه. لذلك تبدو الـ”موناليزا” التي تحظى بزيارة الملايين كل سنة في مقرها بمتحف اللوفر بباريس مجرد عمل فني صغير، كان من الممكن أن يطويه النسيان لولا أن دافنشي لم يكمل الكثير من مشاريعه الفنية أو أتلفها بنفسه بسبب عدم رضاه الدائم عن نفسه، وهي صفة دفعته إلى ألا يرى قيمة في ما يفعله في المجال الفني مقارنة بما كان يخطط له على مستوى الاختراعات العلمية التي لم ير معظمها النور.

العبقري في موته السعيد

“موت رومانسي سعيد يليق بعبقري مثله” حدث ذلك قبل خمسمئة سنة بالتمام. فرجل العلم والفن معا وضع رأسه على ساق ملك فرنسا ولفظ أنفاسه الأخيرة. غير أن القبر الذي دفن فيه تعرض للإزالة حين هدمت
الكنيسة التي كانت تضمه فلم يعد له قبر يُذكر به. إنه لا يقيم الآن في مكان بعينه.

تلك واحدة من مفارقات حياته في عصر فاق بقوة تحولاته كل العصور. إنه رجل ساعته المائية الذي كان الزمن يقلقه. الرجل الذي وضع العلم في خدمة الفن كان له الفضل في التوصل إلى درس التشريح الذي لا يزال
قائما حتى الآن حسب القوانين التي وضعها.

كان ابن عصره وأكبر منه. ذلك لأن الكثير من مخططاته العلمية كانت بمثابة نبوءة لعدد من أهم الاختراعات التي ساهمت في تطوير الحياة البشرية والانتقال بها إلى العصر الحديث. يقول “لقد استيقظت ووجدت العالم لا يزال نائما”.  

ساهمت أسفاره في توسيع رؤيته لدور أوروبا في قيادة العالم من خلال العلم في العصور اللاحقة. وكان فكره الريادي بمثابة بوصلة لفناني عصره والعصور اللاحقة.

في جملة منسوبة إليه يقول ليوناردو “تماما كما يصدأ الحديد عندما يُهمل، فإن الخمول عن العمل يُتلف العقل” تلك وصيته وهي قانون حياته ونهجه الذي جعل منه رساما ومهندسا وعالم نبات وجغرافيا وجيولوجيا وموسيقيا ونحاتا ومعمارا ومخترعا. كان دافنشي الذي ولد عام 1452 قريبا من فلورنسا سيد حرفه كلها ولم يكن ينقصه شيء في أي منها. بالمعنى الذي جعل منه نموذجا للإنسان الكامل.

وهو ما سعى إليه في سن مبكرة من حياته حين تعلم الكتابة من اليسار إلى اليمين ومن اليمين إلى اليسار بالمهارة نفسها. كانت صفة “المعلم” قد ارتبطت به منذ أن كان يتنقل بين محترفات الرسامين حيث التقى في واحد منها بساندرو بوتشيلي الذي يعد واحدا من أعظم رسامي عصر النهضة.  

دافنشي الذي انتشر صيته رساما من خلال لوحته الأشهر في التاريخ “موناليزا” كان قد توصل إلى عدد من الاختراعات التي شقت طريقها إلى العصر الحديث. سيكون نوعا من الخيال المبالغ فيه إذا قلنا إن “ناسا” وكالة الفضاء الأميركية قد استندت إلى نظريته في اختراع أول روبوت بشري لإدارة محطتها الفضائية. ولكنها الحقيقة. كان دافنشي قد صنع ذلك الروبوت من الخشب والجلد والنحاس وجعله يلوح ويحرك فكيه.

وكان دافنشي مهووسا بالطيران فاخترع الطائرة المروحية. هناك واحدة من اللوحات التي يؤكد الخبراء أنها من صنعه يبين من خلالها كيف يمكن لتلك الطائرة أن تطير. ولأنه فكر بسلامة الطيارين فقد اخترع مظلة للهبوط. كما أنه اخترع ثلاجة وسماها آلة التبريد. غير أن إنجازه الأكبر يكمن في اكتشافه لمرض الشريان التاجي. حدث ذلك حين قام بتشريح قلب رجل بلغ المئة من عمره.


الأبعاد الجمالية الخالدة

هناك لوحة من صنع دافنشي بعنوان “رجل فيتروفيان” صارت بمثابة قانون، يتعرف من خلاله الرسامون على الجسد البشري. فهي تمثل الأبعاد المثالية للتماثل والجمال. مدرسيا فإن الجسد البشري لا يمكن رسمه إلا وفق المقاسات التي وضعها دافنشي. وفي ذلك كان ابن فلورنسا وفيا لوصايا الإغريق. لوحته تلك تنافس “موناليزا في شهرتها وسعة انتشارها.


فهي تمثل واحدا من أهم إنجازاته على مستوى وضع العلم في خدمة الفن. لقد قدمته تلك اللوحة بصفتيه، رساما وعالما.

وإذا ما كان دافنشي قد اخترع أشياء كثيرة ظلت مجرد تخطيطات على الورق فإن مشاريعه الفنية هي الأخرى لم تنفذ في معظمها. إما لأنه كان يعزف عن إكمالها وإما لأنه كان يتلفها بنفسه. فإضافة إلى “رجل فيتروفيان” فإن ما هو مؤكد من لوحاته لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. وهو ما يضع الكثير من اللوحات المنسوبة إليه في دائرة الشك.

اللوحة الأسطورة

في مقدمة تلك اللوحات تقف لوحة “العشاء الأخير” التي رسمها على أحد جدران دير في ميلانو بمادة الزيت. ولأن الجدار كان جصيا فإن الزيت لم يكن المادة الملائمة للرسم عليه. لذلك فقد تعرضت اللوحة للتلف. ولأنها لوحة عزيزة في تاريخ الفن فقد جرى ترميمها عبر العصور. الجص يرفض الزيت وتلك مشكلة لم يفكر بها دافنشي.

إضافة إلى “العشاء الأخير” هناك “سلفاتور موند” التي عُرضت مؤخرا في لوفر أبوظبي و”يوحنا المعمدان” في اللوفر و”عذراء الصخور” و”عشق المجوس” وهناك بورتريه شخصي هو المعتمد تاريخيا. أما “موناليزا” فإنها قد صنعت منه حكاية لم يكن في إمكان خياله العلمي أن يلم بها.

ليس مهما هنا مَن تكون تلك السيدة التي رسمها دافنشي. المتفق عليه أنها ليزا ديل جيوكندا زوجة تاجر قماش فلورنسي. المهم أن ما يجنيه متحف اللوفر من أرباح بسبب تلك اللوحة لا يمكن تخيل وجوده في حالة عدم وجودها. شيء خرافي حدث معها. تلك امرأة يحلم بلقائها والوقوف بين يديها عشاق الفن القادمين من مختلف أنحاء العالم.

في زيارات عديدة للمتحف الفرنسي كنت أفاجأ بمَن يسألني “أين تقع موناليزا؟” صار هدف الكثيرين من زيارة اللوفر رؤية لوحة دافنشي الخالدة والتقاط صور قريبا منها. أعتقد أنهم يعتبرونها لحظة خالدة في حياتهم. سيكون من الصعب إفهامهم أنها مجرد “بورتريه” عادي. ذلك لأنهم لن يكونوا معنيين بمَن رسم تلك اللوحة.

لا أحد من الزائرين يهمه أن يرى السيدة المرسومة ويلاحظ أنها ليست جميلة. ما يهمه فعلا أن ينظر إلى اللوحة وأن يكون موجودا أمامها. تلك لحظة تاريخية في حياته. “موناليزا” صارت بمثابة تأشيرة دخول إلى باريس. “كنت هناك” سيشير السائح إلى صورته مع تلك السيدة الفلورنسية.

وهو ما يُسعد دافنشي شخصيا. لقد ذهب الرجل ذات مرة حاملا اختراعه الموسيقي إلى ميلانو ليسعد دوقها وهناك رسم العشاء الأخير وفي سنواته الثلاث الأخيرة حل في فرنسا
ضيفا على ملكها ومات هناك. ما من شيء يسعده أكثر من لوحة تبقيه في فرنسا حيا.

دافنشي الذي يُحتفى بذكرى وفاته الخمسمئة عالميا هو أب الرسم كما نعرفه.

إنه المعلم الذي وضع قوانين للحرفة وهو اخترع مساحات لخيالها. كان سيد عصره وهو سيد كل العصور التي لا تزال تتشبث بخلاص اسمه الرسم.




المصدر: العرب اللندنية