أحداث ثقافية أخرى
قبيلة مسلمة تحرس مقدسات مسيحية في دير سانت كاترين
العرب اللندنية
الخميس 12 تشرين الأول 2017

الرهبان كانوا يستصدرون تصاريح من الأئمة والفقهاء في مصر من أجل فتوى تسمح لهم بترميم المسجد داخل الدير وعلى نفقتهم.

دير سانت كاترين الذي يعد من بين الأديرة الأقدم في التاريخ، مسجل على لائحة التراث العالمي لليونسكو، وهو قبلة السياحة الدينية في مصر، ومزار تقصده أفواج من مختلف أصقاع العالم، يؤتمن فيه رجل مسلم على الكثير من خفاياه وأسراره، ويعرف أدق تفاصيله، إذ نلـمح في ردهاته وسراديبه رمضان محمود الجبيلي، وهو شاب في مقتبل العمر، يمسك بمفتاح باب الدير العملاق، يصعد وينزل في الأدراج الحجرية وهو يقوم على خدمة وضمان أمن وراحة الرهبان وتلبية احتياجاتهم في فرح وبشاشة ونشاط، يقرع جرس الصلاة، كما لو كان واحدا من الرعية المسيحية داخل هذا الدير التاريخي الشهير.

الحكاية تعود إلى أكثر من 14 قرنا عندما أخذت القبيلة التي ينتمي إليها رمضان محمود، على عاتقها مسؤولية حراسة الدير الذي بني في منتصف القرن السادس، وظل الجبالية إلى حد الساعة الوحيدين المسموح لهم بالعمل داخل الدير، فيهتمون بأحواض الحدائق الصغيرة وغيرها من بقية المرافق داخل هذا المزار الديني الشهير الذي یحوي منشآت مختلفة مثل كنیسة التجلي التي يروى أن النبي موسى قد ناجى ربه فيها.

وكذلك كنائس جانبیة صغیرة، وزوايا تعبدية للرهبان، وحجرة طعام، ومعصرة زیتون، ومعرض جماجم ومكتبة تحوي مخطوطات نادرة، بالإضافة إلى المسجد الفاطمي الذي أثير حوله لغط وجدل كبيران، لكن الحقيقة كما يؤكد الباحثون أنه بُني ليصلي فيه المسلمون الذين يسكنون ضواحي الدير ويقومون بنقل المؤن الخاصة به من ميناءي السويس والطور، وليؤمه كذلك الحجاج وهم في طريقهم إلى مكة، إذ يمرّون بمنطقة الجبل المقدس للتبرك به ثم يكملون طريقهم.

ويقول رمضان، ابن القبيلة المسلمة الأكثر ارتباطا بالدير منذ قرون طويلة، “عمل أجدادنا في الدير من غير مقابل، نعتبر الخدمة في الدير مثل الخدمة العسكرية”، في إشارة إلى أن ما يقدمه للدير يعتبر واجبا وطنيا أيضا في الذود عن هذا المجمع الديني برهبانه وزواره إزاء تهديدات الجماعات التكفيرية والعصابات الإرهابية التي عمدت في أبريل الماضي إلى إطلاق أعيرة نارية في اتجاه القوات المصرية المتواجدة هناك، وقتل في الحادثة ضابط في الشرطة.

ويشاهد زوار سانت كاترين رمضان الذي يعمل في الدير منذ 16عاما، بثوبه المحلي الأبيض وغطاء رأسه وهو يتنقل بين الأجنحة في منتهى الهمة والنشاط، يلاطفه الرهبان ويمازحونه في وئام وانسجام تام. أما والده المسن فيستند إلى الحائط ويقرأ من مصحف قرآني في دعة وسكون.

هذا المشهد التسامحي البهيج، ليس غريبا على هذا الدير الذي عرف في قرون متوالية من حكم المسلمين إضافة عناصر معمارية لحمايته وكذلك إعادة بناء وتجديد لإحدى أقدم كنائسه وتغطية أرضيتها بالرخام في ما يشبه الموجود بمساجد القاهرة دون تمايز، هذا بالإضافة إلى الحرص الشديد على حماية أيقونات الدير من أن تمس بسوء في الفترة التي شاع وانتشر فيها تحطيم الأيقونات في العالم المسيحي الأوروبي، وهي الفترة من 726م إلى 843م نتيجة اضطرابات وخلافات دينية.

أمر آخر يثير الإعجاب بالنموذج التسامحي في سانت كاترين، هو أن الرهبان كانوا يستصدرون تصاريح من الأئمة والفقهاء في مصر من أجل فتوى تسمح لهم بترميم المسجد داخل الدير وعلى نفقتهم كما تدل الوثيقة رقم 225 في أرشيف الدير والتي يعود تاريخها إلى القرن الثامن عشر.

المسلم المصري الشاب رمضان الجبيلي، يبدو واحدا من العناصر المؤثثة للمكان وممثلا لذلك الارتباط العريق والدائم بين قبيلته ورهبان الدير في هذا الفضاء المعطر بالروحانيات في شبه جزيرة سيناء، إذ يلمحه الزائر ويستأنس بوجوده وهو يتنقل داخل حجرات الدير أو يقف خارجه تحت رايتي علمي مصر واليونان، البلد الذي تأتي منه الزعامة الروحية للكنيسة الأرثوذكسية.

ولا يمكن تجاهل نزعة السطوة لدى الطرف اليوناني ونزوعه نحو تجيير المقدس باسمه، إذ أن رجال دين ومهتمين يؤكدون أن سانت كاترين بالأصل اسم قديسة مصرية وليس يونانية كما يشاع في الوسط الكنسي اليوناني، وهي ابنة كوستاس من عائلة نبيلة بالإسكندرية حيث عاشت أيام حكم الإمبراطور الروماني مكسيمانوس ( 305-311) وتحولت إلى المسيحية في زمن الوثنية.

ومن أجل أن ينتزعها الإمبراطور من المسيحية أصدر أوامره إلى خمسين حكيما من حكماء عصره بأن يناقشوها، ويجادلوها في سبيل دحض براهينها عن المسيحية؛ إلا أن جميع محاولاتهم باءت بالفشل، وجاءت النتائج عكسية بل المفاجأة أن هؤلاء الحكماء الوثنيين آمنوا بالمسيحية.

يقول الجبيلي، الشاب المصري الذي يعيش ويتعامل مع رهبان في غالبيتهم يونانيون، “نتواجد هنا لحماية الدير طيلة 24 ساعة في اليوم دون انقطاع، نصلي الصلوات الخمس داخل الدير، نقرأ القرآن ونصوم رمضان”، يصمت رمضان قليلا ثم يضيف “ونحصل على الأكل من الدير طبعا”، وهو أمر يثبت وبجدارة كيف أن الرابط الإنساني أقوى بكثير من أي فارق شكلي في الطقوس، بل إن هذا العقد الخفي المبرم بين الدير وقبيلة الجبيلي لم تزده الأزمنة المتتالية إلاّ رسوخا ليعطي الحجة والبرهان على أن التعايش ممكن بل ولا بديل عنه في كل زمان ومكان.


المصدر: العرب اللندنية