أحداث ثقافية أخرى
من جلجامش إلى زنوبيا.. فنان سوري يرصد أبطال الملاحم بفسيفساء الخشب
العرب اللندنية
الثلاثاء 12 كانون الثاني 2021

 يستحضر معرض فسيفساء الخشب للفنان رؤوف بيطار في قاعة المعارض بدار الأسد للثقافة باللاذقية، رموز الحضارات وأبرز الشخصيات الملحمية التي عرفتها سوريا، والتي تذكر بعظمة التاريخ العريق من خلال القيم الفنية والجمالية.
 
يقدم المعرض الجديد للفنان 50 عملا نفذت بطريقة الفسيفساء على الخشب، وجسدت أبطال الملاحم الأشهر التي تعاقبت على منطقتنا عبر التاريخ من جلجامش والإله بعل والآلهة عشتار والأم الأوغاريتية، إلى نبوخذ نصر والملكة أوروبا وسرجون الآكادي وأبولودور الدمشقي والملكة زنوبيا، في سرد فني جمالي وتاريخي لعظمة هذه الحضارت المتعاقبة، وحرص بيطار على تقديم شخصياته بشكل يحاكي النسخ الأصلية، مستعينا في ذلك بما وثقه الباحثون ضمن هذا المجال.
 
واستعان بيطار في أعمال معرضه بمقولات تاريخية خالدة كوصية بعل للسوريين وللعالم قبل أكثر من خمسة آلاف عام “حطم سيفك وتناول معولك واتبعني لنزرع السلام في كبد الأرض.. أنت سوري وسوريا مركز الأرض”، وأخرى للملك السلوقي السوري أنطيوخوس الثالث “يا سوري.. الأنا لذاتك ونحن لنبني الوطن.. فأين أنت”، وغيرها من المقولات المستلهمة من التاريخ.
 
واعتبر بيطار أن ما يقدمه ينبع من واجبه ودوره كسوري ابن هذه الأرض في نقل وصايا السوريين منذ الآلاف من السنين لتحكي عظمة بلادنا عبر التاريخ في وجه الغرباء الذين حاولوا تخريبها ونهب آثارها وتدمير متاحفها وسرقة وثائقها لطمس حضارتها.
 
وفي حديثه عن عمل الفسيفساء من الخشب وهي الفن العريق الذي عرف بمادته من الحجارة، يقول بيطار “على الشخص الذي يقدم على هذا الفن أن يفهم جميع الخطوات، ويتعرف على المادة المصنعة أو المادة التي سيتعامل معها من أجل تصنيعها”.
 
ويضيف “بالنسبة إلى الخشب أعلم تفاصيله لأنني درست في المعهد الزراعي كيف أختار الخشب ما عدا نوعين أو ثلاثة لا يجوز أن أستخدمها، ويوجد درجات وطبقات وهذه الطبقات تمتاز بتعدد الألوان، فخشب التوت يوجد في شكل عضلاته انسيابية باللون المؤكسد مثل اللون الرمادي، ويوجد عدة حيل للتعامل مع الخشب ومن الصعب أن يذكرها الشخص لأنها من ضمن خطة الإنتاج وهذه الألوان”.
 
ويتابع الفنان “أولا، نترك الخشب على طبيعته، وثانيا، من الشروط الهامة أن يكون لديه نسبة جفاف عالية ويجب أن يكون خاليا من الفطريات والإشنيات وبعض أنواع الدود، وهذا يكتشف عندما نحوله لحبيبات بحجم 1 أو 3 سنتمترات، وبعدها نعرّضها للحرارة لقتل أي طفيليات في الخشب، إضافة إلى وجود ناحية مهمة كثيرا وهي من أصعب المراحل التي لم نستطع حلها، ففي الساحل السوري نسبة الرطوبة أكثر من نسبة الرطوبة بالداخل والخشب المصنع في اللاذقية له نسبة رطوبة عالية ولا يجب ترحيله إلى الشام أو إلى الداخل إلا بعد صناعته وتغطيته بمادة الجلاتين الكثيفة”.
 
 
ويوضح أن هذه الخطوة ضرورية للغاية مضيفا “عندما تذهب هذه القطعة إلى الشام أو إلى أي مناطق داخلية ستتقلص، وهذا التقلص ما بين الحبيبات يسبب طقطقة وفراغات هوائية إلى حد ما ستكون مزعجة بتقاسيم بعض أنواع من الرسومات كغضب الوجه أو اليد فهذا يتجاوزه الإنسان، والمصانعة يجب أن تكون مدروسة ومفهومة عما سبق لذلك عندما سيذهب إلى الشام ستكون له طريقة تعامل خاصة وفيها ديناميكية من أجل أن تكون نسبة الرطوبة مكسورة كي لا تحدُث إشكاليات”.
 
ويكشف بيطار أنه يستوحي أعماله من التاريخ ومن لوحات أصلية موجودة مستعينا بوثائق خبراء كالباحث التاريخي الراحل الدكتور وديع بشور، الذي قدم شرحا مفصلا عن الخلفية التاريخية والحضارية لكل عمل، ليعيد بعد ذلك صياغته من جديد بروحه ومن خشب شجر هذه الأرض الغنية بتنويعاتها وألوانها وخصائصها، كالزيتون والليمون واللوز والتوت، الذي يتفرد بكثرة ألوانه ليصار بعد ذلك إلى التنشيف والتوضيب والمعالجة.
 
وأشار بيطار إلى أنه لم يتلق دراسة أكاديمية للفن، لكنه امتهن الرسم الميكانيكي وانجذب إلى فن الفسيفساء بعد اطلاعه على روعة وجمال اللوحات الفسيفسائية الحجرية في سوريا مختارا الخشب بدل الحجر، رغم الصعوبة الإضافية التي تحتاجها هذه الخامة من دقة متناهية وعدم وجود أي فراغ، بعكس الحجر الذي تعالج الفراغات فيه بمواد وطرق مختلفة.
 
وبيطار الذي احترف هذا الفن منذ أكثر من 15 عاما، له العديد من المعارض المحلية، وقدم لكنيسة اللاتين باللاذقية عددا من اللوحات الضخمة، ويعكف حاليا على تصنيع أدوات تعتمد على علم الطاقة وتستخدم في العلاجات عبر التدليك الخارجي العام المحفز للنهايات العصبية، حيث يقدم في معرضه خلاصة دراسته في هذا المجال لتصنيع نماذج جديدة، آملا بتحقيق نتائج طيبة بعد استخدامها من قبل أطباء ومعالجين مختصين.
 
 
 
 
المصدر: العرب اللندنية