أحداث ثقافية أخرى
جبيل في العصر البرونزي المتأخّر: جسر يمتدّ بين مصر والشرق الأدنى
زياد منى
الثلاثاء 24 كانون لأول 2019

في أطروحته، يبحث الأكاديمي السويسري في موقع ودور مدينة جبيل في السياق المحلي والدولي لعصر المشرق البرونزي المتأخر عندما كانت «منطقة اتّصال» بين الشرق الأدنى ومصر. وعلى الرغم من دورها المركزي في المشهد الجيوسياسي الإقليمي إلّا أنّها لم تجتذب سوى القليل من الاهتمام بين العلماء

«مروان كيلاني: جبيل في العصر البرونزي المتأخر – التفاعل بين المشرق والعوالم المصرية».
Byblos in the Late Bronze Age: interaction between the levantine and egyptian worlds. brill: leiden, boston 2020. 340 pages with over 60 illustrations. marwan kilani

ما دام موضوع كتاب «جبيل في العصر البروزني المتأخر – التفاعل بين المشرق والعوالم المصرية» (دار BRILL) هو مدينة جبيل الأثرية، فمن المفيد التعريف بها وبكيفية العثور على آثارها وبمعلومات أخرى عنها كما ترد فيه. وصف مؤلّف الكتاب الأكاديمي السويسري مروان كيلاني موقع جبيل كالتالي «جبيل الحديثة مدينة لبنانية يبلغ عدد سكانها حوالى أربعين ألف نسمة وتبعد حوالى 42 كم شمال بيروت». لكن خلال العصر البرونزي، كانت جبيل منطقة اتّصال تربط مصر والشرق الأدنى وعالم بحر إيجة. وكان ملوك مصر قادرين على الوصول عبر مرفئها إلى منتجات لبنان وسوريا في حين أنه مكّن حكامها والمدينة نفسها من الوصول إلى بضائع مصر والتعرّف إلى عاداتها ومعرفة البلاد. كما شكّلت المدينة قاعدة قوية للتوغّلات العسكرية المصرية في المناطق المحيطة في بعض الفترات على الأقل. تتميّز جبيل بتقاليد أثرية طويلة وغنية، فقد تم إجراء العديد من الحفريات واستكشاف المدينة بأكملها تقريباً من الناحية الأثرية.

كما أنها تحظى بمكانة بارزة في المصادر التاريخية المعروفة والتصنيفات الأدبية العائدة إلى فترات وأصول مختلفة. إلى جانب الشهادات المذكورة في الوثائق المصرية، تظهر جبيل كذلك في نصوص من أرشيفات أوغاريت وفي الأعمال الإغريقية -الرومانية مثل التاريخ الفينيقي لفيلو وهو كاتب يوناني ولد في جبيل نفسها. يتحدّث كيلاني عن الوضع الحالي للمدينة الأثرية، ومن ثم يستعرض تاريخ التنقيب الأثري فيها، فيحدّد موقع مدينة جبيل الأثرية الآن بأنها «حديقة أثرية تقع على تلّ صغير بالقرب من البحر في قلب جبيل وهي مدينة حديثة ومزدهرة». لكّنه يلفت الانتباه إلى أنّ تطوّر المدينة الحديثة يعود إلى بضعة عقود مضت فحسب. عندما تم إجراء أوّل التنقيبات المنهجيّة مطلع القرن العشرين، كانت جبيل لا تزال بلدة صغيرة مبنيّة حول مينائها الذي يعود إلى العصور الوسطى، ويسوّرها ريف يتميّز بمنازل متناثرة تهيمن عليها قلعة صليبية. كانت بقايا المدينة القديمة تقع جنوب القلعة على تلٍّ صغير في منطقة تحوي عدداً قليلاً من المنازل المنعزلة عن بعضها، وكانت القلعة الصليبية التي تقع إلى جانبها هي المبنى المهمّ الوحيد على التلّ، وبالتالي فقد كانت تغطّي فقط منطقة هامشية من المدينة القديمة.


يخصّص الكاتب مساحة وافرة للتنقيبات الأثرية التي بدأت أواخر القرن التاسع عشر. حينها، جذبت هذه الحالة المثاليّة انتباه علماء الآثار لأنّها سمحت بحفريّات واسعة وطويلة الأمد بقليل من أعمال الهدم ومن دون أن تتعارض مع الحياة اليومية للسكان المحليين. وأوّل من لاحظ الإمكانيات الأثرية لجبيل وسجّلها كان الفيولوجي والمؤرّخ الفرنسي إرنست رينان الذي زار لبنان عام 1860 عندما كانت المنطقة بأكملها لا تزال جزءاً من الإمبراطورية العثمانية. وقتها حصر رينان عمله في إجراء مسح سطحي عام، بالإضافة إلى سلسلة من الخنادق الاستكشافية. كان ذلك كافياً برأيه لإدراك أهميّة الموقع وعلاقاته الوثيقة مع مصر.

بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية أصبح لبنان جزءاً من الاحتلال الفرنسي وانتقل تراثه الأثري إلى إشراف السلطات الفرنسية. وقتها تمكّن العالم الفرنسي مونتيه (Montet) من إقناع الحكومة الفرنسية بالأهمية التاريخيّة للمدينة. لكن عندما وصل إلى هناك رأى أن الموقع احتلّته بعض المنازل وبعض البساتين ومقبرة مهجورة، ولم يحصل على إذن بالتنقيب إلّا بعد مناقشات ومفاوضات صعبة على ما يبدو بالقرب من قلعة العصور الوسطى على أرض لرجل يُدعى الشيخ حسين الحسامي ولآخر يشار إليه باسم «الحاج».


كان مونتيه محظوظاً لأنّه وجد في حملاته العلميّة الأولى بين عامي 1921 و1922 بقايا بعض المباني الدينية بما في ذلك ما عُرِف لاحقاً باسم معبد «سيدة جبيل». لكنّها لم تكن إلّا البداية؛ ففي عام 1922 كشف انهيار أرضي عن كهف بدا أنه قبر ملك من العصر البرونزي. في السنوات التالية اكتشف مونيه ثماني مقابر ملكية أخرى. تعرّض خمس منها للنهب الجزئي أو الكلي، مع ذلك كان ثلاث منها على حاله، إذ حوت عدداً من الأغراض التي أظهرت ثراء أصحابها وقوّتهم وانتشار التأثير الثقافي المصري في الطبقة الحاكمة في المدينة.


بعد الاكتشافات غير العادية لمونتيه، تمّ تنظيم جولة جديدة من الحفريّات الأثرية بدأت عام 1926، أي بعد 14 شهراً من آخر حملة قام بها مونتيه في عام 1924، لكن هذه المرّة قادها عالم الآثار الفرنسي موريس دونان الذي خطّط منذ البداية لاستكشاف كامل وشامل للمدينة وذلك على النقيض من سابقيه. كان هدفه هو حفر المنطقة بكاملها وصولاً إلى الصخور العارية، وهو ما فعله على مدى السنوات الأربعين التالية. وقد شهدت الحفريات انقطاعاً قصيراً واحداً فقط في عام 1939 بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتمّ إغلاقها في عام 1975 فقط بسبب اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية.


سمح التدفّق المستمرّ للاكتشافات الجديدة لدونان بالحصول على التمويل اللازم للحملات بانتظام. في هذا الوقت كان عمله قد اكتمل تقريباً حيث تمكّن خلال سنوات نشاطه من اكتشاف المنطقة بكاملها داخل أسوار المدينة وجزءاً من الأحياء المتأخرة خارجها (الفارسية وما بعدها). فقط بعض القطاعات المتأخّرة والمحيطية لا تزال بحاجة إلى استكشاف.

يواصل الكاتب حديثه في تاريخ التنقيبات، فيورد أنه إلى جانب تلك الحفريات الرئيسة تمّ تنفيذ عدد قليل من المشاريع الصغيرة أيضاً خارج المناطق الحضرية الرئيسة. أمّا المثال الأكثر أهمية في هذا النطاق فهو التنقيب عن مدينة الموتى أو المقبرة (NECROPOLIS K) في عامي 1972-1973 تحت إشراف غيمون (GIMON). كذلك إن مشاريع مثل الخندق الاستكشافي لصاغية - بيضون ودراسة فروست (FROST) لبعض الهياكل المرئية بالقرب من البحر جديرة بالملاحظة. علاوة على ذلك، تمّ إجراء بعض الدراسات الجيولوجية الأثرية في محاولة لتحديد مواقع الموانئ القديمة وتحديد الخطّ الساحلي القديم تحديداً أفضل.


في كتابه الذي قدّمه بداية كأطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في الآثار، سعى كيلاني إلى ملء الفجوة الأكاديمية والبحثيّة حول جبيل. فرغم شهرة المدينة ودورها في العصور القديمة، إلّا أنها لم تجذب سوى اهتمام قليل نسبياً في الأعمال الأكاديمية الحديثة. كما أن نتائج الحفريات نُشرت ضمن قائمة بالأغراض المستكشفة وفي تقارير أولية. أي أن المدينة لم تكن سوى موضوع المنشورات العامة فقط أو الدراسات التي تركّز على مراحل محدّدة أو سمات مختارة لثقافتها. لذلك لم تتمّ دراسة بعض فترات تاريخ جبيل دراسة منهجيّة خصوصاً في العصر البرونزي المتأخّر، مع أنّ مسحاً مباشراً للأدلّة يشير إلى أهميّته في التطوّر التاريخي للمدينة وتفاعلاتها. ثمة مجموعة من الأدلّة، منها أن جبيل كانت مدينة مزدهرة وقوية خلال العصور البرونزية المبكرة والوسطى/ الممالك القديمة والوسطى. وتشهد المصادر المصرية من هذه الفترات والمواد الأثرية الوفيرة من المدينة على اندماجها في الشبكة التجارية في الشرق الأدنى. كذلك تُظهر الأدلة نفسها أن تأثيرها الثقافي القوي قد امتدّ شمالاً حتى أولاسا (ULLASA) وإرقاطا (IRQATA). علاوة على ذلك، اكتسبت جبيل منذ العصر البرونزي المبكر أهمية دينية خاصة عند المصريين، حيث عدت أن منطقتها هي «أرض الرب» بحسب الكاتب (Cooper)، وكان للإلهة المحلية ومعبدها دور مهمّ في التفاعلات مع مصر. ابتداءً من الألفية الأولى قبل التأريخ الشائع (BEFORE CURRENT ERA, BCE)، كانت جبيل مرتبطة أيضاً بالإلهة المصرية إيزيس ووفق كتابات المؤرّخ الإغريقي-الروماني بلوتارخ (plutarch, 46-120 CE) مارست دوراً في بعض حلقات الدورة الأوسيرية (Osirian cycle). أما لوسيان صاحب «عن الآلهة السورية» (DE DEA SYRIA) وهو مؤلّف عن الطقوس الدينية في مدينة بامبيسي (bambyce ـــ أي مدينة منبج الآن الواقعة في أراضي الجمهورية العربية السورية)، فقال إن العلاقات الدينية بين مصر وجبيل استمرّت حتى العصر الروماني.

لكنّ أوضاع المدينة وأحوالها تغيّرت بتغيّر الحقبات. يلفت الكاتب الانتباه إلى أنّ الوضع الجغرافي السياسي للمدينة بعد العصر البرونزي المتأّخر كان مختلفاً تماماً، لكنّ معارفنا عنها في العصر الحديدي المبكّر محدودة للغاية. فما يمكن رؤيته ابتداءً من القرن الثامن (ق ت ش) فصاعداً هو مدينة صغيرة وهامشية (peripheral) منغلقة على نفسها ومن دون أسطول. إذ أن جبيل لم تشارك في التوسّع الاستعماري الفينيقي، وقيل إن المناطق والمدن التي كانت تحت سيطرتها خلال العصر البرونزي المتأخر استحالت مرتبطة بصور أو صيدا خلال العصر الحديدي. في حين يبدو أن المدينة حافظت على بعض السلطة الدينية حتى العصر الروماني، إلا أن قوتها السياسية والاقتصادية السابقة كانت قد تلاشت. لذلك من المنطقي الظن أنّ «كسوف» العصر الحديدي للمدينة ربما كان له على الأقل بعض جذوره في العصر البرونزي المتأخر. لذلك يرتكز هدف هذا المؤلف إلى معالجة تاريخ جبيل خلال العصر البرونزي المتأخّر ودورها فيه. هكذا يقدّم الكاتب المصادر الأولية المتاحة، ويقوّمها ثم يستخدمها لاستكشاف دور المدينة وتفاعلاته وتميّزه وتطوّره داخل المشهد الجيوسياسي المعاصر في بلاد الشام. ضمن جزأين رئيسيين، يتألّف منهما الكتاب، قام الكاتب باستعراض المصادر الأولية في القسم الأوّل وناقش الأدلة الأثرية ذات الصلة مع التركيز تركيزاً رئيساً على العناصر والهياكل المعمارية التي يمكن أن تكون مفيدة للديناميات التي تشكّل تطوّر المدينة وتفاعلاتها الدولية. ثم عمل على تقويم المصادر المصرية المكتوبة وهي رسائل العمارنة [أو: رسائل تل العمارنة – ز م] ووثائق من أوغاريت ونصّ حثي واحد. أما الجزء الثاني من الكتاب، فيتكوّن من توليفات ومناقشات تستند إلى مثل تلك الأدلة. يعلّق الكاتب على الترتيب الذي اختاره، عازياً سبب البدء بالدليل الأثري أولاً، لأنه يقدّم معلومات عن هياكل المدينة والديناميات التي تميّز تاريخها، بينما تركز المصادر المكتوبة، وفق الكاتب، تركيزاً أكبر على أحداث محدّدة. وفي حين أن السابق يوفّر الخلفية، فإن الأخير يسلّط الضوء على جوانب التاريخ الاجتماعي السياسي للمدينة. هكذا، يقدّم القسم الأوّل ملخّصاً لتاريخ الحفريات كما ذكرنا، يليه تحليل كمّيّ وتوزيع لفئات مختارة من الأغراض. ثم تتمّ مناقشة العناصر المصريّة والشظايا المعمارية الموجودة خارج السياق. ويعقب ذلك تقديم المباني والمناطق الأثريّة ذات الصلة. وينوّه الكاتب إلى مغزى المصادر الأولية المكتوبة وإلى دورها المهم في هذا المؤلّف لأسباب عدّة، منها أنّها بطبيعتها أكثر دقّة. على الرغم من أنّ المصادر المكتوبة في مصر والشرق الأدنى تذكر جبيل، فإنّ مواد المصادر الأولى مهمّة على نحو خاص، ليس فقط بسبب عدد الشهادات لكن أيضاً بسبب الروابط الاقتصادية والإيديولوجية والثقافية القوية التي تربط المدينة بمصر.

ومن أجل تفسير هذه المصادر المكتوبة تفسيراً صحيحاً، يشدّد الكاتب على ضرورة أخذها في الاعتبار ضمن سياقاتها، وكذلك رواياتها وأنواعها وجماهيرها وأغراضها في المجتمعات التي أنتجتها. وبالتالي تتم مناقشة هذه الجوانب كلّما بدا أنها ذات صلة بتقويم المعلومات التي توفّرها المصادر. أمّا المصادر المكتوبة فيتم ترتيبها وفقاً لخمس مراحل زمنية تتبع التقسيم الذي ينطلق منها بشكل طبيعي. على وجه الخصوص، هناك ثلاث فترات قصيرة محدّدة على نحو جيد نسبياً مع عدد كبير من الشهادات، وهي الفترة المقابلة لعهد تحتمس الثالث، وفترة العمارنة، وزمن رمسيس الثاني. تتناوب هذه الفترات مع فترتَين أخريين أنتجتا إشارات قليلة أو لم تُذكر هما: الفترة من أمنحتب الثاني إلى فترة العمارنة، والفترة من نهاية عصر العمارنة إلى بداية عهد رمسيس الثاني والتي لا تحوي أيّ شهادة من المدينة. على الرغم من أنّ هذا الإطار تمليه حوادث الحفظ أكثر مما تمليه فترة زمنية بناءً على الاعتبارات التاريخية، إلّا أنه ينتج عنه تنظيم عمليّ ومعقول للمصادر. ويعتمد هذا التقسيم على التسلسل الزمني المصري، لأنّ غالبية النصوص تأتي من مصر لكن المصادر العائدة إلى مناطق أخرى تتلاءم على نحو جيد مع ذلك.


طبيعة تقصّي مادة العمل دفعت الكاتب إلى مناقشة كلّ مجموعة من المصادر آنفة الذكر في قسم محدّد. لكن نظراً إلى أن النصوص الفردية أو المنفردة التي تذكر جبيل تختلف في طابعها وتمّت دراستها على نحو غير متساو، فقد تختلف طريقة تقديمها والتعامل معها من فصل إلى آخر. وعلى الرغم من أنّ التواريخ المطلقة تمارس في هذا المؤلّف دوراً هامشياً وثانوياً، إلّا أن الكاتب يستدرك بأنه «قد يكون من المفيد توفير إعداد زمني لهذه الفترات». وفي هذا الصدد، تتوفر ثلاثة خيارات تعود إلى مجموعة من العلماء. الأولان هما التسلسل الزمني المطلق المستخدَم عادة في علم المصريات. الخيار الثالث هو التسلسل الزمني القائم على الكربون المشع والذي أنتج نطاقات زمنية قصيرة للتواريخ بدلاً من سنوات محدّدة ذات احتمال أن تكون صحيحة بمقدار 95٪ على الأقل. ووفقاً لهذه التسلسلات الزمنية الثلاثة يمكن تأريخ عهود الفراعنة ذات الصلة بالفترات التي تحدّد بنية هذا الكتاب وكلها، كما يبدو ، متقاربة للغاية وبشكل عام متّفق عليها.


وقد قام الكاتب بمناقشة البيانات الناتجة من المواد الأثرية والمصادر المكتوبة في منظور أوسع في الجزء الأخير من المؤلّف. وفي ذلك القسم يتمّ الجمع بين الأدلة التي تمت معالجتها في الجزء الأول من أجل رسم صورة لجبيل وتراكيبها الاجتماعية والاقتصادية والجيوسياسية وتطوّرها التاريخي خلال العصر البرونزي المتأخّر. ويلي ذلك استنتاج عام يلخّص نتائج البحث.


يلخّص الكاتب نتائج عمله في نهاية المؤلّف، بأنّ العصر البرونزي المتأخّر كان فترة ديناميكية ومليئة بالأحداث بالنسبة إلى جبيل. إلّا أن نتائج هذا البحث يبرز حقيقة أن التراجع الذي يميّز جبيل في العصر الحديدي لم يكن نتيجة للأحداث المتعلّقة بالانهيار العام لنظام العصر البرونزي المتأخر أو ليس بسبب ذلك فقط. كان موقع جبيل في المنطقة قد بدأ بالفعل بالتراجع والتآكل خلال العصر البرونزي المتأخر، ربما في وقت مبكر من فترة العمارنة، وقد تكون هذه الأحداث قد بدأت ما أدّى إلى تراجعها وتهميشها وكسوفها في العصر الحديدي.

يوضح هذا البحث أهمية الجمع بين أنواع مختلفة من الأدلة خاصةً عندما تكون المصادر المكتوبة قليلة. ونظراً إلى أن هذه المصادر المكتوبة لها أصول وجماهير ووظائف مختلفة، فإنها تتيح إمكانية النظر إلى المدينة من وجهات نظر متعدّدة وكشف جوانب مختلفة، وفي بعض الأحيان مكملة للهياكل والتفاعلات الاجتماعية والاقتصادية. على سبيل المثال تبرز بعض المصادر المصرية العلاقة الإيديولوجية والدينية الخاصة التي تربط المدينة بمصر، في حين يضيف تحليل النصوص من أوغاريت معلومات حول مشاركة جبيل في الشبكة الإقليمية وهو جانب نادراً ما تم بحثه.


علاوة على ذلك إذا أخذنا في الاعتبار الأدلة الأثرية، يمكن إلقاء الضوء على جوانب أخرى من المدينة ما يسمح بوضع سياق للأحداث والعلاقات المذكورة في النصوص. في هذا المشروع، مكّن إنشاء قاعدة بيانات واستخدام الأدوات الرقمية من استعادة البيانات من سجلات الحفريات القديمة وتصوّر النتائج بشكل أفضل. الميزة الرئيسة لاستخدام الأدوات الرقمية هي إمكانية نشر البيانات الأولية عبر الإنترنت. إن التشارك في هذه المعلومات عبر الإنترنت لا يسمح فقط للباحثين الآخرين بالوصول إليها واستخدامها في أبحاثهم الخاصة، بل تضمّن أيضاً الحفاظ عليها وهو أمر مهمّ بشكل خاص لبلاد الشام اليوم.

قبل ختم عرضنا بسرد محتوى المؤلف في أجزائه وأقسامه الرئيسة، نرى أنه ربما كان من الأجدى وضع اسم المدينة الأصلي في عنوان المؤلف بدلاً من الصيغة الإغريقية، وهي نتاج سوء فهم الإغريق الذين ظنوا أن جبيل تنتج الورق فأسموها «بيبلوس» ما يعني (الورَّاقية/ منتجة الورق) بينما كانت هي مجرد مصدِّر ليس أكثر. بالإضافة إلى عشرات الصور والرسوم التوضيحية، فإن أقسام المؤلّف تتوزّع على مقدّمة تحوي أهداف المؤلّف وهيكلته، وقسم مخصّص للمصادر والبينات الأثرية. في القسم الثالث «البينات الأثرية – تحليل كَمِّي» ثمّة عرض لمواضيع منها الفخار المسيني والجعران المصرية والمغزل والأوزان والأغراض العائدة لمصر وكتل حجرية منقوش فيها. يتبعه الكاتب بقسم «البينات الأثرية - القطاعات ومجالات الاهتمام» الذي يعرض فيه كلاً من برج المعبد ومعبد سيدة بيبلوس ومعبد المسلة ومعبد رمسيس الثاني ومعابد جبيل ومدينة الموتى (K) والمقابر الملكية ومنطقة القصر ونهر الكلب وغير ذلك. أما قسم «المصادر المكتوبة» فيضم تلك العائدة إلى تحتمس الثالث وأمنحتب الثاني إلى فترة العمارنة ورسائل العمارنة أو تل العمارنة ومن ثم مرحلة العمارنة ومن بعدها أواخر مرحلة الأسرة الثامنة عشرة وأوائل الأسرة التاسعة عشرة. ثم عصر رمسيس الثاني والأسرة التاسعة عشرة ويلي ذلك نهاية العصر البرونزي ومصادر أخرى. أخيراً، من المواضيع التي يتعامل معها فصل «جبيل في أواخر العصر البرونزي - سيرة مدينة» هي التخطيط الجغرافي والجيوسياسي والاقتصاد والمشهد الاقتصادي والموارد الطبيعية والتجارة المنتظمة والصناعات المحلية والتبادلات الاستثنائية والبعثات الملكية المصرية والأنشطة الاقتصادية الأخرى والأيديولوجيات ومنها المسماة سيدة جبيل والأطر الأيديولوجية المصرية القديمة.



المصدر: الأخبار