أحداث ثقافية أخرى
"عصيان" عندما يتحوّل المسرح إلى فن سياسي
أبو بكر العيادي
الإثنين 23 كانون لأول 2019

"عصيان" تمثل سرديات أربع فتيات يقدّمن وجها منتصرا لصراعهنّ ضد العنصرية والبطريركية والتهميش.

"عصيان" مسرحية عن فتيات الهجرة، تتقمّص فيها أربع نسوة أدوارهنّ في الحياة، فمادتها مستوحاة من معيشهنّ، والخطاب المنطوق على خشبة “مسرح لافيلات” بباريس خطابهنّ، بعد أن أعاد صياغته المؤلف الدرامي كيفين كيس، والروائية أليس زنيتر.

 تنتمي مسرحية “عصيان” إلى ما سمي بـ”مسرح مجريات الأحداث الحالية”، وقد ابتكرته الفرنسية ماري جوزي ماليس مديرة المركز الدرامي الوطني بضاحية أوبرفيليي منذ أربع سنوات كطريقة مغايرة لممارسة الفعل المسرحي.

والتمست حينئذ مساهمة عدة أسماء بارزة في الساحة الثقافية لتعرف كيف يستلهمون أعمالهم من حياة الناس الذين يعيشون بينهم. واختارت أن تعطي الكلمة لأهالي المنطقة، لكي تكون المادة الأولى لنص عمل مسرحي أطلقت عليه مصطلحه آنف الذكر، وتفتح لهم منافذ إلى الحياة المسرحية، وتخص منهم فئة معينة هي بنات المهاجرين وحفيداتهم اللّاتي ينتمين إلى الطبقات الفقيرة، أولئك اللّاتي أوهمهن خطاب الآباء والساسة والإعلاميين بأن مكانهنّ ليس هنا، وأن مصيرهنّ العودة بطريقة أو بأخرى إلى أرض الآباء والأجداد.

ولما كانت هذه الأعمال تتحدّث عن الراهن والواقع المحيط، فقد غدت أشبه بمنتدى تُناقش فيه بعض الأمراض التي تنخر المجتمع الفرنسي، وما يعانيه أبناء المهاجرين وبناتهم من وصم وعنصرية وتهميش من قبل أبناء البلد الأصليين، ومن تحجّر وانغلاق وتمسّك بتقاليد بالية من قبل بني جلدتهم، وخاصة في ما يتعلق بعلاقتهم بالبنات.

في هذا العمل الذي يحمل رقم تسعة والذي عنوانه “عصيان”، أعطيت الكلمة لنساء محافظة “سين سان دوني” الشهيرة بـ”تسعة ثلاثة”، ممن ينتمين إلى الجيل الثاني والثالث للهجرة، لتسائل أحلامهنّ وتمردهنّ، وعلاقة كل واحدة منهنّ بالعائلة والتقاليد والدين والمستقبل.

واختارت المخرجة جولي بيريس من جملة من قابلت أربع فتيات هنّ: لو أدريانا بوزيان، وشرمين فاريبورزي، وهاتيس أوزر وسيفورا بوندي، وتعاملت معهنّ لإنجاز مشروع يتناول حكاياتهنّ وحكايات أهاليهم، ثم عهدت بالمادة المتوفرة إلى المؤلف الدرامي كيفن كيس والروائية من أصل جزائري أليس زنيتر لصياغة عمل مسرحي ودراماتورجيا تستوحي مادته من سرديات أولئك الفتيات، وسرديات فتيات أخريات أثيرت أثناء اللقاءات المتكرّرة.

انطلاقا من تلك الاعترافات الحميمة أحيانا، استخلص كيس وزنيتر فصولا من حنينهنّ وذكرياتهنّ، وأفراحهنّ وأتراحهنّ، وخضوعهنّ وتمردهنّ، وفتحا لهنّ المجال كي يسردن، كل واحدة على طريقتها، كيف قاومن عنف هذا العالم، وكيف ناضلن بلا انقطاع لفرض وجودهنّ في مجتمع يحبسهنّ في طريق مسدود. وبذلك تحوّلت تلك الحكايات الفردية إلى نوع من الحكايات السياسية، وقدّمت صورة مخالفة عمّا يروّجه الإعلام، وواقعا متعدد الأوجه عن نساء الضواحي. ذلك أن تلك السرديات النسائية هي سرديات يكون فيها العصيان طريقا إلى النصر.

وتبدأ المسرحية بظهور الفتيات الأربع وهنّ يعبرن الخشبة زوجا زوجا بخطى موقعة كأنها “مارش” عسكري، حتى يتوارين عن الأنظار، ثم يظهرن من جديد ليشرعن في سرد حكاياتهنّ في جو تأتلف فيه لحظات من البهجة والرقص والغناء، وأخرى تنضح بالألم والمعاناة والرغبة في كسر القيود، أيا ما يكن مأتاها.

تطالعنا حكاية سيفورا بوندي، الفتاة السوداء التي عشقت المسرح منذ سن المراهقة، تروي كيف اختارها أحد المخرجين لتؤدي دور أنياس في مسرحية موليير “مدرسة النساء”، ولكن لم يمض أسبوع حتى تمّ إعلامها بغير تحفظ أن أنياس، وجه بارز في مسرحية موليير، ولا يمكن أن يسند إلى امرأة سوداء.

وحكاية لو أدريانا بوزيان وكيف أن الأحلام تؤدي أحيانا إلى إجلال رومانسي للجماعات الإرهابية. فقد تعرّفت في مراهقتها على رجل في أحد المواقع الاجتماعية، وكانت ثائرة على كل ما يحيط بها، فتأثّرت بخطابه الديني وبدأت تلبس الحجاب، ثم طرأ عليها تحوّل راديكالي حتى صار مقربوها ينكرونها، ولم يمض وقت طويل حتى هربت من بيت أهلها والتحقت بهذا الرجل الذي وقعت في هواه، فاكتشفت أنه متزوج، وينتمي إلى الجماعات المتطرفة، مثلما اكتشف هو أنها لم تكن نقية بالشكل الذي يريد، لأنها لم تنسق وراء مخططاته، فهجرته وظلت على دينها الذي تعرفه، والذي يحقّق لها سلاما وراحة نفسية.

كذلك حكاية شرمين فاريبورزي، وهي فتاة من أصل إيراني تهوى الرقص، وكيف اضطرت إلى مواجهة رفض أبيها باسم الدين والتقاليد، وكيف تمرّدت عليه لتمارس ما تعتبره فنّها المفضل وتفرض وجودها كراقصة هيب هوب. إلى جانب هاتيس أوزر، وهي من أصل تركي، وتروي كيف تمرّدت هي أيضا على عائلتها ومحيطها كي تحيا حياتها بحرية، وتختار طريقا ترسمه بنفسها بعيدا عن التسلّط والزجر.

تلك السرديات هي شهادة حية عن الطريقة التي توسّلت بها تلك الفتيات لإعلان العصيان كسبيل لتحقيق الذات، دون الوقوع في النمطية، وفضلها أنها تلغي شبكات القراءة التي ترسّبت في بال المتفرجين، من أهل البلاد الأصليين بخاصة. فأولئك الفتيات ينهلن من تراثهنّ الثقافي، ولكنهنّ يخترن منه ما يشأن لكي يرسمن طريقهنّ
 بأنفسهنّ.

والخلاصة أن “عصيان” هي سرديات أربع فتيات يقدّمن وجها منتصرا لصراعهنّ ضد العنصرية والبطريركية والتهميش، ووجها فنيا يؤكد جدارتهنّ بالحصول على أدوارهنّ على الخشبة.



المصدر: العرب اللندنية