أحداث ثقافية أخرى
المسيح في السينما: «ملك الملوك» من لحم ودم
شفيق طبارة
الإثنين 23 كانون لأول 2019

في البدء، واجه تصوير يسوع في الفن رفضاً كبيراً بين اللاهوتيين، قبل أن يصبح تجسيده هدفاً يساعد في انتشار الدين والتبشير به وتقريبه من الناس. أما الفن السابع، فقد جعل يسوع من لحم ودم. هنا جولة على الأعمال التي قاربت تعاليمه وسيرته منذ أوائل الستينيات

على مدى سنوات، اختلف اللاهوتيون المسيحيون في ما بينهم بشأن تقديم تصوير فني ليسوع. إذ اعتقد المسيحيون الأوائل أن ذلك يعدّ انتهاكاً للوصية الثانية «لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً...» (خروج 20:4-6)... إلى أن جاء القديس يوحنا الدمشقي الذي كان من الأوائل الذين دافعوا عن الأيقونات والصور كوسيلة للتكريم.

قام «مجمع نيقية الثاني» في عام 787 بتسوية هذه الخلافات، معلناً أنّ الايقونات والصلبان لا تُعتبر وثنية. واعتبر أنّ «إنتاج الفن التمثيلي هو وسيلة لتصبح كلمات الرب حقيقية لا مجرّد خيال». وذهب المجلس أبعد من يوحنا الدمشقي، إذ أوصى بأن تحتوي جميع الكنائس صوراً للمسيح والقديسين، فـ «كلّما شوهد يسوع والقديسون في الفن، زاد عدد الذين سيتذكرونهم لفترة أطول». بمعنى آخر، كان أحد أهداف الفن المسيحي مساعدة المؤمنين على فهم فكرة التجسد.


بعد ذلك، ظهرت معضلة جديدة تمثلت في أنّ العديد من المسيحيين واجهوا صعوبة في تخيّل المسيح كإنسان، ما أدى أحياناً إلى إهمال إنسانية المسيح كما لو أنّه ليس جسماً بشرياً. لذلك عبر التاريخ، أكدت الكنيسة أن المسيح هو تجسّد للرب في الطبيعة البشرية، وأن إنسانية المسيح الكاملة ضرورية للخلاص والتلمذة. وإن لم يكن المسيح بشراً، لما مات من أجلنا.


وإذا كانت الكنيسة تؤيد الفن وإنسانية المسيح، فإنّ السينما أثبتت أنها وسيلة أفضل من الأيقونات والأصنام والرسم، لأنّها تمنحنا إحساساً أكمل بشخص ما كإنسان. عندما يتعلّق الأمر بالأفلام التي تجسد المسيح، تكون غالباً إمّا للتبشير أو إلهام الإيمان. لكن بعيداً عن الأفلام المسيحية التي تكون رسالتها التبشير في المقام الأول، أدخل مخرجون كثر يسوع المسيح في أعمالهم منذ ولادة السينما. رويداً رويداً، بدأت الأفلام التي تجسد المسيح تتّخذ منحى مختلفاً، وراح المخرجون يخاطرون في مقاربة المسيح وطرح جدلية الإيمان.


من الأفلام الأولى التي جسدت المسيح في السينما الصامتة فيلم فرنسي الإنتاج (44 دقيقة) حمل عنوان «حياة وعاطفة يسوع المسيح» (1905). وفي عام 1927، قدّم المخرج الأميركي سيسيل بي ديميل فيلمه «ملك الملوك» الصامت عن حياة يسوع من الولادة حتى الصلب. اعتبر العمل (ساعتان ونصف الساعة) من أهم الأفلام الصامتة عن حياة المسيح. ومن بعدها، صارت سنوياً تنهال الأفلام التي تقدّم يسوع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. في هذا المقال، سوف نستعرض بعض أهم الأفلام التي جسّدت المسيح في الفن السابع.

«ملك الملوك» (1961) ــــ نيكولاس راي

تقديم فيلم يحمل عنوان وقصة أحد أهم الأفلام الصامتة التي قدّمها سيسيل بي ديميل، لا يعني أنّ الفيلم هو إعادة للشريط الأول. على العكس، ولد شغف نيكولاس راي بالفيلم من قلبه مباشرة، وبسرد صوتي من المخرج الأميركي الكبير أورسون ويلز. في فيلم راي، ليس المسيح (لعب الدور الممثل الكبير جيفري هانتر) رجلاً ذا سلطة مهيبة، بل شاب بسيط وبدين وضخم. لم يسعَ راي لتحريك مشاعر المُشاهد من خلال «عجائب» المسيح، بل ذهب إلى جوهر الدين والعقيدة. مثلاً، مشهد الخطبة الطويلة على الجبل (أحد أجمل مشاهد الفيلم) يجسد هذه الأيديولوجيا الدينية، ويقدّم قصة المسيح الذي يسعى ليكون بين شعبه. ديناميكية هذا المشهد مع المناظر الخلابة، ناجحة جداً. لا يتحدّث المسيح إلى الناس عبر المنبر، بل يتعامل معهم، يمشي بينهم، يسمع كلّ مطلب، ويجيب على كلّ سؤال، ويستسلم كلياً لشعبه زارعاً فيه بذرة معرفته. وهذا ما نجح راي فيه، أي تقديم صورة رجل جاء للتعليم، والتركيز على قوة المذهب الإيماني الذي يبشّر به.
وعلى الرغم من أنها قصة دينية بنبض ملحمي، إلّا أنّها لا تركّز فقط على شخصية يسوع، بل روت أحداثاً قبل ولادته مع التركيز على القمع الذي عاناه اليهود على يد الرومان. النهج الأيديولوجي لفيلم راي، عكس شخصية المخرج تماماً: إظهار يسوع في لحظة تاريخية، ثورياً ومندمجاً كلياً في عصره كالمخرج تماماً. «ملك الملوك» أحد أهم الأفلام عن حياة المسيح وموته. وبالتأكيد ما زلنا نتذكر لغاية اليوم جيفري هنتر بوصفه اليسوع الأكثر جاذبية على الشاشة الكبيرة.

«الإنجيل بحسب القديس متّى» (1964) ـــ بيار باولو بازوليني

على الرغم من أن المخرج الإيطالي الكبير بيار باولو بازوليني شيوعي وملحد، إلّا أنّ أحد أكثر أعماله نجاحاً وشعبيةً هو فيلم عن يسوع (لعب دوره الممثل الإسباني أنريكي إيراذوكي). قدّم بازوليني في تحفته صورة موثوقة لوجود المسيح، من خلال التأثير الديني لأمّه التي أحبها كثيراً (ظهرت في الفيلم تجسّد مريم العذراء عندما أصبحت عجوزاً). طريقة تقديم الفيلم كانت مفاجأة تقريباً، ليس بسبب واقعيّتها العظيمة، ولا بسبب وقوف أحد المخرجين الملحدين خلف الكاميرا، بل لأنّ بازوليني قدّم «الإنجيل بحسب القديس متّى» انطلاقاً من رؤية ماركسية. حافظ بإخلاص على ما جاء في الإنجيل، وروى أكثر اللحظات شهرةً في حياة يسوع: «المعمودية على يد يوحنا المعمدان في مياه نهر الأردن، تعليم تلامذته من خلال الأمثال، اعتزاله في الصحراء لمدة أربعين يوماً وليلة، المواجهة مع الفرّيسين والكهنة، وتحقيق المعجزات، والقبض عليه ومحاكمته وصلبه، وقيامه من بين الأموات».


امتزج نهج بازوليني السردي في الفيلم بالشاعرية والغموض والواقعية والرؤية الفلسفية التي ترتبط بالأفكار الماركسية. فيلم أبيض وأسود، ومناظر طبيعية شبه قاسية مصحوبة بموسيقى كلاسيكية من موزار وباخ وبروكوفييف.


«الإنجيل بحسب القديس متّى» شكّل ثورة. ومثل كل ثورة، تطلّب من المقاتلين التخلّي عن كوابحهم العاطفية. مسيح بازوليني هو مسيح راديكالي مصمم على تغيير العالم. ولأن المخرج يروي قصة المسيح بطريقة متطرفة ويظهره عازماً على هدم النماذج السائدة، اضطر بازوليني لكسر مسلّمات عدة. يسوع بازوليني ذو ملامح سامية، وبشرة داكنة وعينين سوداوين. ولإبراز عمق ملامحه، لجأ إلى تفصيل مهم: الوشاح الذي يغطي رأسه أسود. يصبح المسيح مظلماً ذا وجه عازم على التغيير. راديكالية المسيح هنا تتجاوز الصورة المادية. لم يكتف بهدم حماة الكنوز وتوزيع الثروات، بل أعاد الكرامة للمحرومين. هاجم المنافقين الذين أقسموا بذهب المعبد بدلاً من المعبد نفسه أو الذين يقدّسون المادة أكثر من تقديسهم المذبح.

مع كلّ هذه الراديكالية في الطرح، ليس هناك مساحة لتقديم صور عاطفية. إذ لا جلد ولا ألم عند حمل الصليب في الفيلم. المسيح لا يزال في منأى عن نفسه، يتحرك نحو استشهاده كرجل كامل منيع ضد التعذيب، من دون أي أثر للمعاناة، باستثناء قطرة دم خفيفة تسقط على جبينه في اللحظة الأخيرة من صلبه. بازوليني أقل اهتماماً بمعاناة الإنسان، فالمهمّ بالنسبة إليه هو البذور التي زرعت. لذا، ليس غريباً أن نرى في وقت القيامة، تلامذة يسوع يركضون بشكل ملحمي لمقابلته وفي يدهم أدوات حرث الأرض. هؤلاء مقدّر لهم زرع العقيدة من جديد في تلك الجغرافيا القاسية والموحشة التي تسكن الفيلم بأكمله.

«الإغواء الأخير للمسيح» (1988) ــــ مارتن سكورسيزي

 

بعد أربع سنوات من محاولة المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي إنتاج «الإغواء الأخير للمسيح»، كاد أن يفقد الأمل، لكنّه ظلّ صابراً ومحارباً. بالنسبة إلى رجل كاثوليكي مثله كان يفكر أن يصبح كاهناً في شبابه، شكّل فيلم مماثل تحدياً شخصياً بالنسبة إليه. والأهم أن رواية نيكوس كازانتزاكيس زودته بنظرة تشبه إلى حد ما خصوصيته الفنية. من خلالها، شرح سكورسيزي خطاب يسوع بطريقة شخصية.


يقدم الفيلم الازدواجية الشديدة داخل المسيح (ويليام دافو)، الذي عرض عليه إمكانية عيش حياة بعيدة عن الجانب الإلهي فيها. مسيح سكورسيزي يكافح مع الجميع، ونضاله الأعظم والأشد ضراوة هو مع نفسه. إنّها المواجهة بين الإنسان والإله، الصراع بين داخلنا الروحي والمادي. هذا هو جوهر سينما سكورسيزي. سينما وجودية معذبة بعمق. ينظر المسيح إلى نفسه بوحشية غير عادية. جروح جسده ومعاناته الجسدية هي في الوقت نفسه مرآة وتمثيل لآلامه الداخلية. المسيح حكاية واستعارة لمعاناة العالم لا أداة للإيمان.


لا وجود للكريسماس في الفيلم ولا نهج مبسطاً للشخصية الأسطورية ليسوع. هو إنسان هنا، ما يعطي بعداً جديداً أكثر واقعية وقوةً من حالته السماوية. يروي الشريط قصة يسوع بطريقة أرثوذكسية، ولكن البعد الإنساني الذي قدمه دافو في أدائه يجعل القصة المعروفة أكثر صدقاً، كما لو أننا لم نرها من قبل. معاناة وصراع المسيح اللذين صورهما سكورسيزي، يجريان على مستوى وجودي. يسوع نفسه يشك في حالته العقلية، والمشاهد بدوره يشكك، ويسأل نفسه: هل هذا رجل مصاب بفصام؟ أين الله الحقيقي؟ هل المعجزات الذي يقوم بها حقيقة أم أنها مبالغ فيها، بعدما ضخّمها الخيال الجمعي في ذلك الوقت؟

لكن في نقطة تحوّل مهمة، يتوقف يسوع عن أن يكون نجاراً بسيطاً ليصبح النبي. عندها، تتغير جذرياً صورته الكلاسيكية التي تلقَّن في المدارس والكنائس. أراد سكوسيزي تفكيك الإله وهدم الأساطير التي حددتها الأناجيل والكنيسة والأديان اللاحقة.


ونأتي هنا إلى نقطة التحول، التعديل الجذري للأحداث الواردة في الإنجيل، التي أشعلت الجدل. في وقت الصلب، يحدث الشيء الأكثر إثارة للاهتمام في الفيلم، حين يعرف يسوع أنّ تضحيته لم تعد ضرورية، ويتمتع بكامل الحرية في أن يعيش حياته كما يحلو له، بل أن يتزوج من يحب. في فيلم سكورسيزي، يعيش المسيح ليصبح عجوزاً، وبعدها يجد نفسه على الصليب من جديد ويطلب من الله المغفرة. هذا التحول دفع المتعصبين إلى مقاطعة الفيلم منذ أن كان مجرّد جنين. تفجر الغضب والعنف في صالات العرض وأضرمت النار في صالة عرض في باريس، ومنع الشريط في الكثير من البلدان ولا يزال ممنوعاً في بعضها حتى اليوم. لا يمكن إنكار أنّ الفيلم مثير للجدل، ولعلّه الأكثر إثارة للجدل في مسيرة سكورسيزي السينمائية. لكن «الإغواء الأخير للمسيح» هو عمل شخصي جداً لمؤلف ومخرج أصيل. السينما التي يقدّمها هي سينما شخصية جداً. مسيح سكورسيزي هو المسيح العاشق، الهارب الذي خُدع من أسوأ عدو له: المسيح الإنسان.

«آلام المسيح» (2004) ــــ ميل غيبسون


في عمر الثالثة والثلاثين، أصبح الرجل المبشّر بالمسيحية والحب أسطورةً قبل أي شيء آخر. حمل خطيئة العالم على ظهره، وكانت طريقه إلى الموت. كانت «آلام المسيح». فيلم الممثل والمخرج الأسترالي الأميركي ميل غيبسون يتحدث عن آخر 12 ساعة من حياة يسوع.


يبرز الشريط بوضوح شديد ــــــ بسبب محتواه العالي من العنف ــــــ الساعات الأخيرة من حياة المسيح بطريقة غير عادية، خاصة بالنسبة إلى فيلم ذي طابع ديني حيث يتم تخفيف حدة العنف إلى أقصى حد. أراد غيبسون أن يُظهر بالتفصيل وبوحشية طريق المسيح إلى الصلب. بهذا المعنى، سوف نرى خلال معظم الفيلم المسيح يواجه أشدّ أنواع العنف بطريقة تفصيلية. كل أعمال العنف الوحشية المعروضة في الفيلم هي استفزاز واضح وناجح للجمهور. سيشعر الأشخاص ذوو الدم الحار بحاجة لاقتحام الشاشة لمساعدة المسيح. ومن ناحية أخرى، سيغطي الأشخاص الحساسون أعينهم عن هذه المشاهد وربما التوقف نهائياً عن المشاهدة. العقوبة التي تواجه المسيح في الفيلم تتجاوز اللاإنسانية، سادية إلى أبعد الحدود كأنها تنفذ فينا مباشرة.

أفلام يجب ذكرها

 

كثيرة هي الأفلام التي تناولت حياة المسيح، ولكن قليلة هي التي يستوجب التوقف عندها. مع الأفلام التي ذكرناها آنفاً، هناك بعض من الأعمال التي تناولت حياة أو تعاليم المسيح بطريقة غير مباشرة، لكن كان للمسيح دور كبير فيها. لا يمكن ذكرها كلها لأنّ أكثرها أفلام تلفزيونية، ونحن نتكلم عن الأفلام السينمائية. لكن سوف نذكر فيلمين سينمائيين لا يمكن تخطيهما.


- «درب التبانة» (1969): الإسباني الكبير لويس بونويل يسير في الفيلم بطريقة فكاهية وسريالية. خلال رحلة لاثنين من المتسولين في طريق الحج المسيحي الرئيسي (طريق القديس يعقوب)، يواجهان الفظائع والبدع والخرافات والتعصب التي شارك فيها الدين الكاثوليكي خلال تاريخه. يُظهر الشريط مبدأ الخير والشر، ويظهر بونويل بعض الغموض في ما يتعلق بالموضوع الديني حتى عند لقاء المتشردين بيسوع ومريم العذراء. باختصار، الفيلم هو درس في اللاهوت والفلسفة يضيء على قضايا مثل الأقدار والخطيئة والنعمة والطبيعة البشرية والإلهية للمسيح ومحاكم التفتيش.
- «صمت» (2016): مارتن سكورسيزي يعود من جديد بفيلم شخصي مسيحي. «صمت» هو فيلم متطرّف عن الدين والصراعات النفسية داخل الشخص المتدين والكاهن. لا يبتعد كثيراً عن «الإغواء الأخير للمسيح»، فهو تأملات حول الإيمان وصلة المتدين بربه وصمت الرب تجاه الأهوال الإنسانية والشك بالدين داخل كل فرد.




المصدر: الأخبار